المستشار - دراسة قانونية على ضؤ الواقع والقانون الدولي، وفي الفقه والإجتهاد الدوليين حول إتفاقية الإطار الموقعّة بين وفدي سفيري لبنان و
دراسة قانونية على ضؤ الواقع والقانون الدولي، وفي الفقه والإجتهاد الدوليين حول إتفاقية الإطار الموقعّة بين وفدي سفيري لبنان و" إسرائيل" في واشنطن برعاية ومشاركة الولايات المتحدة الأميركية.
بقلم : المحامي وليد نورالدين الخطيب
الكرامة الوطنية، المتمثلة في نظرية السيادة للدولة على إقليمها، هي فكرة قانونية وفلسفية عميقة تبلورت على مر الزمن، وتناولها كبار فقهاء القانون والفلاسفة في معظم الدول الحضارية. لكن ما يجب التمييز بشأنه هنا هو كرامة الدولة، وكرامة الإنسان فيها، حيث أن القانون الدولي الحديث إعتبر أن كرامة الدولة لا تنفصل عن كرامة مواطنيها، ولا تنفصل عن قدرتها على حماية شعبها وسيادتها، لا مجرد التمسك الشكلي بالسيادة، بل وبالأساس أيضاً.
كما أن الكرامة الوطنية، ليست شعاراً سياسياً، بل هي التعبير القانوني والأخلاقي عن سيادة الدولة وإستقلال إرادتها. فإذا إنتُقصت هذه السيادة، تزعزعت الكرامة، وإذا خضعت الإرادة الوطنية للأملاءات الخارجية، فقدت الدولة أحد أهم مقومات وجودها. ويجسد هذا المفهوم بشكل كبير قول لفريدريك هيغل جاء فيه أن شرف الأمة يكمن في إستقلالها
Die Ehre eines Volks liegt in seiner Selbständigkeit
وهذه العبارة تعبّر مباشرةً عن العلاقة بين الإستقلال والكرامة الوطنية،
فالمسؤولية الوطنية هي من أثقل الأحمال التي تقع على كاهل كبار مسؤولي السلطة،
ففي حديثه عن الماريشال الذي سلّم ميتز Metz ، وعن المسؤولية الوطنية، وصف Victor Hugo فعل هذا الماريشال بعبارة " لقد إغتال الوطن "
IL avait assassiné la patrie
فهناك فرق كبير بين سياسي أخطأ في تقدير موقف او تدبير سياسي، وسياسي إتخذ موقفاً ترتب عليه المساس بالمصلحة العليا للدولة أو أهدر سيادتها. فالأول يحكم عليه التاريخ بالخطأ. أما الثاني فيحكم عليه التاريخ بأنه أضّر الوطن في لحظةٍ كان واجبه فيها أن يحميه ويحافظ عليه بالغالي والرخيص.
ذلك أنه قد تنتهي السياسة، ولكن لا تنتهي مسؤولية السياسي أمام التاريخ. فالتاريخ لا يحاكم رجال الدولة بما قالوه عن أنفسهم، بل بما أبقوه لوطنهم من سيادة وكرامة وحقوق،
وقد ينجح السياسي في إقناع معاصريه، وقد يستطيع أن يبرر موقفه أمام جيله، لكنه لا يستطيع أن يفاوض التاريخ، لأن التاريخ يحتفظ بالنتيجة، لا بالتبرير.
ويؤيد ما جاء أعلاه، ما صدر من نصوصٍ وعبارات تعبّر عن مضمون ما جاء أعلاه، والتي أصبحت حالياً من كلاسيكيات الفكر القانوني، بحيث يمكن الركون اليها للتدليل على ما تقدم ذكره. ومنها ما جاء في قضية جزيرة بالماس ( Island of Palmas case )، والتي صدر بشأنها قرار تحكيمي في 4 نيسان 1928 عن محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي ( Permanent Court of Arbitration ) لدى محكمة العدل الدولية، حيث جاء على لسان رئيس محكمة التحكيم الدائمة فيها، القاضي السويسري ماكس هوبر Max Huber ، وكان النزاع بين الولايات المتحدة وهولندا حول السيادة على جزيرة بالماس ( Miangas ) من أن السيادة في العلاقات بين الدول تعني الإستقلال.
Sovereignty in relations between States signifies Independence
وهذه العبارة أصبحت فيما بعد من أكثر العبارات إستشهاداً وشهرةً في القانون الدولي، لأنها تجعل السيادة مرادفاً للإستقلال القانوني للدولة.
ولهذا القاضي عبارة أخرى هامة أيضاً لا تقل أهمية عن عبارته السابقة وهي أن السيادة الإقليمية تتضمن الحق الحصري للدولة في ممارسة وظائفها على إقليمها،
Territorial sovereignty involves the exclusive right to display the activities of a State
أما محكمة العدل الدولية بالذات، فقد قررت في قضية مضيق كورفو ( Corfu channel case, 1949 ) أن إحترام السيادة الإقليمية يشكّل أساساً جوهرياً للعلاقات الدولية.
Respect for territorial sovereignty is an essential foundation of international relations.
وهذا الإجتهاد القضائي ليس عبارة فقهية فقط، وإنما هو مبدأ قضائي صادر عن أعلى محكمة دولية.
ويقول العلامة Raymond Carré de MALBERG ، أن السيادة صفة جوهرية للدولة، وهي غير قابلة للتنازل وغير قابلة للتجزئة:
La souveraineté est un caractère essentiel de l’État, elle est inaliénable et indivisible
(Contribution à la théorie générale de l’État, tome 1.1920)
وبما أن نظرية السيادة الحديثة، بمفهومها الحالي، يعتبر الفقه الدستوري أن الأب الحقيقي لها هو العلامة الفرنسي Jean BODIN، حيث جاء في كتابه Les six Livres de la République، وفي خضم الحروب الدينية في فرنسا، والذي إنتهى بهذا الشأن، الى أن بقاء الدولة لا يتحقق إلا بوجود سلطة عليا لا ينازعها أحد، وحدد بهذا الموضوع أن السيادة هي السلطة العليا والدائمة للدولة
La souveraineté est la puissance absolue et perpétuelle d’une République
( Jean BODIN, Les six livres de la République, Livre 1, chapitre VIII, Paris 1576)
ومن الجدير توضيحه هنا الى أن لفظ République عند Bodin لا يعني
" الجمهورية" بالمعنى الدستوري الحديث، بل يعني كيان الدولة او الكيان السياسي، لذلك فإن ترجمتها ب الدولة يأتي في هذا السياق أدق من ترجمتها بالجمهورية، ولأنه بمعنى آخر (بودان) لا يعرّف السياسة بوصفها مجرد سلطة فقط، بل يجعلها العنصر الأساسي الذي تقوم عليه الدولة نفسها. ولهذا أصبحت هذه العبارة المرجع الكلاسيكي الذي إستند إليه معظم فقهاء القانون العام بعده.
وبما أن سيادة الدولة هي الأساس في العلاقات الدولية،
وبما أن موضوعنا يندرج ضمن مفهوم القانون والفقه الدوليين. لذلك يتعين بدايةً، الإشارة الى أن هذه الدراسة تتضمن وجهة النظر القانونية في مضمون المعاهدات والإتفاقات الدولية بصورة عامة، ثم نتطرق بعدها الى إتفاق الإطار الحاصل بين لبنان و "اسرائيل" بوساطة ومشاركة اميركية بصرف النظر عن وجهة النظر السياسية بإعتبار أن هذه الأخيرة، أي وجهة النظر السياسية، هي ذات سمة شخصية لا تتعلق بالتجرد القانوني المفروض في البحث العلمي والقانوني، وإنما في سياسة الدول التي قد تتجاوز القانون والأصول، الذي يفرضه مبدأ القوة الذي يعتبر حجر الرحى في العلاقات الدولية.
كما أن الدراسة المشار اليها سيقوم منهجها على الجمع بين الأفكار المُؤسسة والصياغة المنسجمة مع الموضوع، فلا تقتصر على عرض النصوص أو نقل الآراء، بل تسعى الى بناء نظرية قانونية متماسكة تنطلق من الدستور وتستند الى المبادىء العامة للقانون، مع الإستئناس بالفقه المقارن والإجتهاد، بحيث يكون هذا الأخير مفسراً للنص لا بديلاً عنه. كما أنه يتعين الإشارة الى أنه قد يلحظ القارىْ ويعتقد أن هناك بعض الترداد في التعابير والأفكار. إنما الحقيقة أن الأمر ليس كذلك، بإعتبار أن الموضوع يُطرح لبحث أي فكرة من وجهة النظر للموقف من حيث القانونية، ومن ثم الفقهية ومن بعد ذلك الإجتهادية، وهو ما يوجب معه مناقشة ذات الموضوع في ما قرره كلٍ منها.
ومن هذا المنطلق، لا تفصل هذه الدراسة بين قوة الفكرة ودقة التعبير، لأن البحث القانوني الرصين والمتجرد، لا يكتمل بمجرد صحة النتيجة، بل يتطلب أيضاً سلامة التكييف القانوني ودقة المصطلحات، وإنسجام البناء المنطقي، الأمر الذي يستدعي قيامها على المبادىء التالية
- الدستور هو القانون الأعلى في الدولة، وكل سلطة تستمد إختصاصها منه وتظل مقيدة بأحكامه وملتزمة بها.
- الإختصاص الدستوري من النظام العام، ولا يُفترض، ولا ينشأ بالتفويض إلا وفقاً للقانون، ولا يجوز التوسع في تفسيره.
- التكييف القانوني الصحيح يبدأ من تحديد صحيح للمصطلحات، لأن إضطراب الألفاظ يؤدي الى إضطراب الأحكام والنتائج.
- لا تقوم المشروعية على سلامة الغاية وحدها، وإنما على سلامة الإختصاص والإجراءات والشكل والمضمون معاً.
ويصدق في هذا السياق ما يُنسب الى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، حين سُئل :
" إذا أُسند إليك حكم الدولة، فما أول ما تفعله"؟ فأجاب " أُصحح الأسماء" او بمعنى آخر الكلمات. والمقصود بذلك أن إستقامة الحكم وصحته، تبدأ بإستقامة المفاهيم. لأن إضطراب المصطلحات يؤدي الى إضطراب الأحكام كما تقدم، وإضطراب الأحكام يفضي الى إضطراب العدالة والحكم.
وهذه الحكمة القديمة تلتقي مع الفكرة الأساسية التي أقام عليها Hans KELSEN نظريته الشهيرة في تدرج القواعد القانونية، ومؤداها أن شرعية كل عمل قانوني تُستمد من مطابقته للقاعدة الأعلى، وأن الدستور هو مصدر نفاذ جميع القواعد القانونية في الدولة. وعلى هذا الأساس يتعين علينا الإجابة تأسيساً على ما تقدم على السؤال التالي:
" كيف تتكون الإرادة الدستورية للدولة اللبنانية في إبرام الإتفاقات الدولية ؟ وهل تحققت في الحالة محل البحث وفقاً للنصوص الدستورية أم لا، وعلى ضؤ الواقع والقانون؟
من البديهي القول أنه مبدئياً لا يستطيع سفيرا لبنان و"إسرائيل"، توقيع إتفاق إطاري بإسم دولتيهما، إلا إذا كانا مفوضين بذلك من السلطة المختصة في كلٍ من (الدولتين). ذلك أن الإطار الثلاثي الأطراف موضوع البحث والذي جاء عنوانه حرفياً كما تبين مبدئياً:
The Israel-Lebanon framework agreement brokered by the Trump administration:
TRILATERAL FRAMEWORK BETWEEN THE UNITED STATES OF AMERICA, THE STATE OF ISRAEL, AND THE REPUBLIC OF LEBANON
ووفقاً لقواعد القوانين الدولية وعلم العلاقات الدولية وإتفاقية قانون فيينا للمعاهدات وغيرها، ينحصر انجازه وتوقيعه أساساً، في من خوّلته النصوص القانونية ذلك، لأن تمثيل الدولة في إبرام المعاهدات والإتفاقات الدولية يخضع لقواعد محددة، منها على سبيل المثال لا الحصر أن:
*- بعض المسؤولين يعتبرون مخوّلين بذلك بحكم مناصبهم، مثل رئيس الدولة، ورئيس الحكومة، ووزير الخارجية، وذلك ضمن الحدود التي تقررها نصوص القانون الدولي والقوانين الداخلية للبلد المعني.
* أما السفير( أي سفير)، فلا يملك تلقائياً بحكم منصبه، صلاحية توقيع إتفاق دولي بإسم الدولة التي يمثلها، إلا إذا ُمنح تفويضاً خاصاً بذلك من السلطة المختصة في دولته، أو إذا كان التوقيع يدخل ضمن صلاحيات محددة سبق أن تم تفويضه بها أصولاً.
وبالعودة الى الدستور اللبناني وفيما يعود إلى لبنان، نجد أن الدستور تضّمن توزيع الإختصاصات المتعلقة بالمعاهدات الدولية بالنسبة للسلطة التنفيذية، بحيث أناط برئيس الجمهورية التفاوض بشأنها، ومن ثمّ، إبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة وموافقة مجلس الوزراء. فنصّت المادة 52 من الدستور اللبناني، المعدّلة بموجب القانون الدستوري الصادر بتاريخ 17/10/ 1927، والقانون الدستوري الصادر بتاريخ 9/11/1943، والقانون الدستوري رقم 18 الصادر بتاريخ 21/9/1990، على الآتي:
" يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية، وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتُطلِع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب ".
وبالتالي فإن السفير اللبناني في واشنطن أو غيرها، بصفته هذه، لا يستطيع بدون إجازة وفقاً للأصول القانونية أعلاه، حتى المفاوضة في عقد المعاهدات، فكيف بنا توقيع إتفاق بإسم الجمهورية اللبنانية من تلقاء نفسه، لأنه يحتاج، الى تفويض من السلطة المختصة صادر وفقاً للأصول الدستورية، للمفاوضة، لأن المادة 52 من الدستور حددت شخص رئيس الجمهورية وحده فقط للمفاوضة في عقد المعاهدات الدولية. أي هناك فترة زمنية تقع بين المفاوضة وإبرام المعاهدة الدولية لا يستطيع فيها حتى رئيس الجمهورية منفرداً، إبرام المعاهدة إلا بعد الإتفاق بشأنها مع رئيس الحكومة وإقترانها بقرار مجلس الوزراء بالموافقة، وفقاً لما جاء في ما نصّ عليه الدستور في المادة 52 منه الواردة أعلاه. أي أنه يجب البحث في التكييف القانوني للإتفاق موضوع البحث لأنه شرط لازم لبحث نفاذه الدستوري. ذلك أن البحث في مدى خضوع أي إتفاق دولي لأحكام المادة 52 من الدستور اللبناني، يفترض، منطقياً وقانونياً، تحديد طبيعته القانونية إبتداءً، بإعتبار أن قواعد إبرام الإتفاقات الدولية تختلف بإختلاف طبيعتها، فلا تخضع جميع الوثائق الدولية للأصول الدستورية ذاتها، بل يتوقف ذلك على حقيقة الإلتزامات التي تُنشئها وآثارها القانونية. ومن ثم فإن التكييف القانوني للوثيقة موضوع البحث يُشكّل المسألة الأولية التي يتعيّن حسمها قبل الإنتقال الى دراسة شروط نفاذها في النظام القانوني اللبناني. ولا يغيّر من ذلك أن الوثيقة حملت تسمية " »Framework أو غير تسمية، إذ أن التسمية التي يختارها أطراف الإتفاق، كما سيتبين لنا لاحقاً، لا تعدو أن تكون إلا وصفاً شكلياً، بينما الإتفاقات الدولية تستمد طبيعتها القانونية لا من عنوانها، وإنما من مضمونها الموضوعي، ومن الإلتزامات التي تنشُئها وما يترتب عليها من آثار قانونية.
وبناءً على ما تقدم، فإن تحديد الطبيعة القانونية للإطار الثلاثي في موضوعنا وحالتنا تلك، لا يتم بالإستناد الى عنوانه. وإنما من خلال تحليل نصوصه بنداً بنداً، وبيان ما إذا كانت هذه البنود تنشىء إلتزامات قانونية ملزمة تتعلق بإنهاء حالة الحرب، وإرساء السلام، وترتيب أوضاع سيادية دائمة بين (الدولتين)، الأمر الذي يقتضي معه عندئذٍ، إخضاعه للأحكام الدستورية الناظمة لإبرام المعاهدات الدولية
فإذا كان المقصود هو ذلك الإتفاق الإطاري الحاصل برعاية الولايات المتحدة الأميركية، فإنه يمكن للسفير اللبناني في واشنطن ان يقوم بالمفاوضة والتوقيع لأسباب بروتوكولية او سياسية، ويكون التوقيع صحيحاً قانوناً إذا كان يحمل تفويضاً لازماً من المرجع المختص وبالشكل المفروض قانوناً. وعندها فقط لا يوقع السفير بصفته الشخصية، وإنما بصفته ممثلاً مفوضاً تفويضاً صحيحاً عن السلطة التنفيذية المختصة في دولته
ولا شك هنا من وجوب التوضيح أنه في المسائل السياسية السيادية يتعيّن أن يكون قد سبق صدور قرار عن مجلس الوزراء سنداً للمادة 65 من الدستور التي جاء فيها أنه تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء. وهو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة، ومن الصلاحيات التي يمارسها: - وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، والسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة والاشراف على اعمال كل أجهزة الدولة من ادارات مدنية وعسكرية وأمنية بلا إستثناء. اما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج الى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. ويعتبر مواضيع أساسية ما يأتي:
*- تعديل الدستور ................الإتفاقات والمعاهدات الدولية
فإذا كان المقصود تفويض السفير اللبناني في واشنطن للتوقيع على الاتفاق الإطاري ذو الطبيعة السياسية او السيادية، فالرأي الدستوري الراجح على ضؤ الدستور اللبناني ولا سيما المادتين 52 و65 منه أنه:
* لا يكفي قرار وزير الخارجية والمغتربين وحده ( إن حصل) .
* كما لا يكفي أن يمنح رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة التفويض منفردين، لضخامة مسؤولية النتائج التي ستنتج عن هكذا إتفاق.بل من الأسلم أن يكون التفويض مستنداً الى قرار صادر عن مجلس الوزراء. لأن منح صلاحية التوقيع في هذه الحالة هو تنفيذ لقرار سياسي سيادي يدخل في صميم رسم السياسة العامة للدولة التي ترتبط قانوناً بمجلس الوزراء وفقاً للأصول القانونية النافذة وللقاعدة الآمرة في المادة 65 من الدستور المشار اليها.
والتفويض ( full powers ( في القانون الدولي هو وثيقة تمثل إرادة الدولة، ومصدر هذه الإرادة في لبنان محدد دستورياً، فعندما ينص الدستور على وجوب صدور قرار عن مجلس الوزراء، فإن وثيقة التفويض يجب أن تسند الى هذا القرار حتى تكون صحيحة من الناحية الدستورية. أي بمعنى آخر ومن الناحية العملية يتعيّن أن:
* يتخذ مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على التفاوض ومن ثم التوقيع.
* بناءً على هذا القرار تُصدر السلطة المختصة وثيقة وهي هنا رئيس الجمهورية، التفويض للسفير او المفاوض.
* يقوم هذا الأخير بالتوقيع بصفته ممثلاً مفوضاً عن الدولة، وليس بصفته الدبلوماسية المجردة.
هذا، وقد يثار أي نقاش بهذا الصدد حول الإدلاء ما إذا كان هذا الإتفاق الإطاري يُعدّ معاهدة دولية كاملة أو مجرد وثيقة سياسية أو إجرائية، كونه يؤثر حتماً في بعض الإجراءات اللاحقة، لأنه إذا كان الإتفاق يتعلق بترسيم الحدود والعلاقات أو الأمن أو أي مسألة سيادية مع الدولة الموقعة الأخرى ك " إسرائيل"، فإن القول بوجوب صدور قرار عن مجلس الوزراء قبل منح التفويض هو الرأي الدستوري المنطبق على احكام المادة 65 من الدستور، وإلى مبدأ ممارسة السلطة التنفيذية جماعياً من قبل مجلس الوزراء سنداً لمضمون المادة 52 من الدستورذاته. وإن ثار السؤال بأن نص المادة 52 من الدستور أولى أمر المفاوضات في المعاهدات الدولية لرئيس الجمهورية حصراً، وبالتالي لا دور لإعمال المادة 65 في هذا المجال. فالرد على ذلك أن السلطة التنفيذية هي جهاز يرأسه رئيس الجمهورية يعاونه رئيس مجلس الوزراء مع حكومته، واجبهم خدمة الصالح العام الذي يقتضي أحياناً التكاتف والعمل من أجل تحقيق الأسلم والأضمن من الأعمال إستناداً لمبدأ رأيان خير من رأي ورأي الثلاثة لا يُخطىْ. فإن إتحدت الهمة في إخراج العمل الإداري منذ بدايته، بمجهود كافة المسؤولين وموافقتهم، ضعفت إمكانية الخلل في النتائج. ولهذا وإن كان الأمر يعود لرئيس الجمهورية في التكليف بالمفاوضة، إلا أنه في ذات الوقت لا نظنن بأنه يرغب بإنفراده في قرار التفاوض هذا، وأن يجنح، وإنطلاقاً من وضعه القانوني في قيادة سفينة حكمه نحو الأفضل للوطن، الى تعطيل المادة 65 من الدستور بحجب مشاركة الحكومة ، وإن أعطاه القانون الحق في ذلك، إشراك مجلس الوزراء منذ البداية في قرارٍ دقيقٍ كهذا خاصةً وأن الإجتهاد الإداري يجنح الى تغليب تفسير النصوص القانونية بشكلٍ يتوافق بعضها مع البعض الآخر، لعدم تجريد النصوص القانونية من مفاعيلها، حيث جاء في هذا الصدد:
" يقتضي تفسير النصوص بالشكل الذي يجعلها متوافقة مع بعضها البعض بدلاً من تعطيل مفعولها بتفسير نص بصورة غير متجانسة مع النصوص الأخرى، وإلا جرّد هذا النص من معناه، وإن الطريقة العلمية لتفسير القوانين توجب توفيق النص المطلوب تفسيره مع سائر النصوص المتعلقة بذات الموضوع او بمواضيع متشابهة.."
( قرار مجلس شورى الدولة رقم 708 تاريخ 30/6/2021)
ذلك أن قوة النصوص الدستورية لا تكمن في استقلال كل منها عن الآخر، وإنما في تكاملها. فالدستور ليس مجموعة مواد قانونية متجاورة منفصلة عن بعضها البعض، بل منظومة قانونية واحدة، يتعيّن تفسير أحكامها تفسيراً منسجماً بشكلٍ يحقق وحدتها الداخلية، ويحول دون أن يؤدي تطبيق أحد النصوص الى تعطيل نصٍ آخر أو الإنتقاص من فعاليته. ومن ثم، فإن ممارسة رئيس الجمهورية لإختصاصه المنصوص عليه في المادة 52 في إطار قرار يصدر عن مجلس الوزراء عملاً بالمادة 65 من الدستور لا تشكّل تقييداً لصلاحياته، بل تمثل أرقى صور إحترام الدستور، لأنها تجعل الإختصاصات الدستورية متعاونة ومتكاتفة لا متعارضة، بهدف تحقيق المصلحة العامة، وتغلّب المصلحة الدستورية العليا على القراءة الحرفية المجردة للنصوص القانونية. بالإضافة الى أنها تؤمن ممارسة الصلاحيات دستورياً بما يحفظ وحدة الدستور والنظام.
والسؤال الذي يثور هنا هو " هل تم الإلتزام بالمفهوم القانوني المتقدم ذكره واقعاً وقانوناً ؟؟
والجواب على هذا السؤال يستدعي المناقشة في هذا المجال بالذات، ببحث مسألة التفويض من جهة . ومسألة الواقع القانوني من جهةٍ أخرى.
أولاً- فيما يعود لمسألة التفويض:
بما أن عملية التفويض أوجب القانون الاداري بشأنها، ضرورة أن يكون هذا التفويض مُسند الى نص قانوني صريح وواضح، لأن الفقه والإجتهاد إعتبرا أن تجاوز المفوض إليه حدود نطاق التفويض يشكّل إغتصاباً للسلطة وتعدياً من المفوض إليه على صلاحيات السلطة المفوضة له،
( للتوسع يراجع في هذا الموضوع قرار مجلس القضايا في مجلس شورى الدولة رقم 14 تاريخ 19/11/1992)
الأمر الذي يجعل من العمل الحاصل نتيجة هذه المخالفة عملاً باطلاً، ومن المعلوم أن القاعدتين بشأن نتيجة العمل الباطل، الفقهية والإجتهادية، إعتبرتا أن ما بني على باطل فهو باطل. وبالتالي لا يعود العمل الحاصل بتاريخ التوقيع، خلافاً لحدود التفويض، أو في حال عدم وجوده أساساً، عملاً يتسم بالمشروعية والقانونية، وهو ما أكده مجلس شورى الدولة الذي جاء في قرارٍ له ما يلي:
" ... إن مشروعية الأعمال الإدارية الادارية تقدّر على أساس يوم تاريخ صدورها، أي يجب ان تكون متوافقة مع القانون بالتاريخ الذي إتُخذت فيه..."
( قرار مجلس القضايا في مجلس شورى الدولة رقم 291 تاريخ 18/1/1996)
كما ان الاجتهاد استقر على أنه:
" يقتضي وجود نص تشريعي او تنظيمي يسمح لسلطة ادارية إجراء تفويض بعض الصلاحيات المناطة فيها الى سلطة تالية
ODENT: contentieux administratif
Édit.1981,p. 180 et s.
Auby et Drago : Traité de contentieux administratif,
3~ème édt. 1984- tome II , N~ 1150 et s.
- قرارمجلس شورى الدولة رقم 2 تاريخ 11/1/1990)
فإذا كان التكليف مستوفٍ للشروط المفروضة قانوناً كان العمل صحيحاً ومنطبقاً على ما حددته النصوص القانونية. وإذا لم يكن كذلك فهو عمل يعتبر ونظراً لأهميته عملاً صادراً عن سلطة غير صالحة من حيث الإختصاص الموضوعي، وهو ما أكّده الإجتهاد الإداري بقوله:
" ... وبما أن صدور القرار عن سلطة غير تلك التي نصّ القانون صراحةً على وجوب صدورها عنها إنما يشكّل نوعاً من عدم الإختصاص الموضوعي Incompétence ratione materiae كونه لا يمس مبدأ فصل السلطات بل يقتصر على التجاوز على الإختصاصات بين السلطات الادارية نفسها
R.Chapus, Droit administratif général, 15~ème édit. T 1, n~ 1215-1216
وكذلك
Enc. DALLOZ, Répertoire du contentieux administratif, Recours pour excès de pouvoir : moyens d’annulation
15- l’incompétence matérielle ou ration materiae, qui est probablement l’hypothèse la plus fréquemment observée car il est souvent plus malaisé pour une autorité administrative de déterminer les limites exactes de son champs matériel d’attribution que celles de ses compétence territoriale et temporelle, recouvre des multiples hypothèses. L’administration peut ainsi illégalement empiéter sur les attributions d’une autre entité administrative, qu’existe ou non un lien de subordination entre elles( un préfet ne peut en principe agir à la place d’un ministre, CE, sect, 24 oct. 1952, Dlle Thèse, Rec.CE,p. 469 ; un sous- préfet à la place d’un préfet, CE 10 févr. 1954,Cne de Guénin, Rec. CE, p. 86 ; un ministre à la place du Premier ministre,CE, sect.4 nov.1977, Dame Si Moussa, Rec. ……………
وبما أن عدم الإختصاص يكون إيجابياً عندما تتخذ سلطة إدارية معينة تدبيراً هو من إختصاص سلطة إدارية أخرى، بحيث تتعدى بذلك هذه السلطة الإدارية مباشرةً بصورة قصدية أو غير قصدية، على إختصاص سلطة إدارية أخرى،
وبما أن قيام السلطة الادارية الدنيا بإتخاذ قرار هو في الأصل من إختصاص السلطة العليا كأن يتخذ الوزير قراراً يدخل في إختصاص مجلس الوزراء.... يعتبر قرار الوزير عندها مشوباً بعيب عدم الإختصاص مما يفضي الى إصدار القرار بإبطاله من قبل مجلس شورى الدولة..."
( قرار مجلس شورى الدولة رقم 453 تاريخ 19/5/2020)
ثانياً- فيما يعود لمسألة الواقع القانوني:
بما أن إتفاق الإطار موضوع البحث الموقع في واشنطن بتاريخ 26 حزيران 2026، أثار إشكالية دستورية وقانونية تتجاوز الجدل السياسي الذي رافق الإعلان عنه. فالمسألة الأساسية لا تتمثل في تقييم الإتفاق من حيث ملائمته السياسية أو نتائجه المتوقعة، وإنما في تحديد طبيعته القانونية وبيان مدى إستيفائه الشروط المفروضة في الدستور اللبناني، لإكتساب النفاذ في النظام القانوني الداخلي .
وتبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة لأن الوثيقة أُطلق عليها تسمية
" Framework " ( إطار)، في حين أن مضمونها يتضمن أحكاماً تتناول إنهاء حالة الحرب، وإقامة علاقات سلمية، وتنظيم ترتيبات أمنية دائمة، وإنشاء إلتزامات متبادلة بين دولتين من الوجهة القانونية الصرفة، وهي موضوعات تتجاوز مفهوم الإتفاق الإطار وتدخل في صميم الأعمال التي حدد الدستور اللبناني تنظيم آلية إبرامها، ولا سيما المادتين 52 و65 منه كما تبين شرحه اعلاه،
ومن هنا يثورالسؤال الجوهري بأنه هل يكفي إطلاق تسمية Framework” " على الوثيقة موضوع البحث لإخراجها من نطاق المادتين المذكورتين ( 52 و65) من الدستور اللبناني، أم أن العبرة، وفقاً للقواعد الدستورية والقانون الدولي، تكون لحقيقة مضمونها وآثارها القانونية، بحيث تخضع لأحكام المعاهدات الدولية، بصرف النظر عن التسمية التي أُعطيت لها ؟
يقتضي للإجابة على هذا السؤال بحث مسألتين مترابطتين:
الأولى: مدى توافر الشروط الدستورية اللازمة لإنعقاد إرادة الدولة اللبنانية في إبرام هذه الوثيقة، ولا سيما دور مجلس الوزراء في هذا المجال،
والثانية: ما إذا كان مضمون الوثيقة يجعلها من المعاهدات التي لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة مجلس النواب عملاً بالمادتين المذكورتين أعلاه من حيث تعلقها بسلام الدولة وترتيب التزامات ذات طبيعة دائمة لا يجوز فسخها سنة فسنة، بالإضافة الى أنها تمس شؤوناً سيادية جوهرية وتتعلق بالصالح العام وكرامة الوطن والمواطن اللبناني على السواء، كما يقتضي البحث بصورة موازية، موضوع التوقف عند الأثر القانوني العملي لهذه الوثيقة داخل النظام الدستوري اللبناني، ولا سيما ما إذا كانت تنشىء التزامات قابلة للإحتجاج بها داخلياً، أم تبقى مجرد تفاهم سياسي لا يرقى الى مرتبة المعاهدة الملزمة إلا بعد إستكمال إجراءات الإبرام والموافقة والتصديق عند الإقتضاء.
كما تكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية أيضاً كونها تمّس مبدأ سمو الدستور وحدود السلطة التنفيذية في إبرام الإلتزامات الدولية على ضوئه، وتفرض التمييز بين الشكل الذي تصاغ به الوثيقة وبين طبيعتها القانونية الحقيقية، لذلك فإن البحث في هذه المسألة لا يهدف الى تقييم مضمون الإتفاق من الناحية السياسية فقط، بل الى تحديد موقعه القانوني والدستوري الصحيح وآثاره في النظام القانوني اللبناني، وعليه سيتم بحثنا وفق العناوين التالية:
- العناصر الموضوعية التي تكشف الطبيعة القانونية لما تم تسميته اتفاق الإطار الثلاثي:
إن تحديد الطبيعة القانونية للإطار الثلاثي لا يقوم كما أسلفنا أعلاه، على التسمية التي إختارها أطرافه، وإنما على تحليل أحكامه وما تُنشئه من حقوق وإلتزامات متبادلة. ومن ثم، فإن إستخلاص الوصف القانوني الصحيح للوثيقة يقتضي الوقوف على العناصر الموضوعية لهذا الإتفاق، بإعتبارها المعيار الذي تستند إليه قواعد القانون الدولي في تكييف الإتفاقات بين الدول.
ويتبين من إستقراء أحكام الإطار أن الوثيقة تجاوزت حدود إعلان المبادىء، أو بيان النوايا السياسية، إذ أن هذه الوثيقة تضمنت إلتزامات محددة ومترابطة يلتزم كل طرف بتنفيذها وفق آليات زمنية واجرائية واضحة، تخضع بعد ذلك، لمتابعات وتحقق من جانب الدولة الوسيطة الراعية مبدئياً وكذلك وهو الأدهى من الطرف الآخر في الإتفاق. كما تضمنت إنشاء أجهزة وآليات مشتركة للإشراف على التنفيذ، وربطت بعض الإلتزامات بنتائج قانونية وسياسية محددة أيضاً، الأمر الذي يضفي عليها طابعاً إلزامياً يتجاوز نطاق مجرد الإعلان السياسي.
كذلك تناولت الوثيقة مسائل تدخل في صميم العلاقات الدولية بين الدول الأطراف، وفي مقدمتها إنهاء حالة الحرب، وإرساء علاقات سلمية، والمفروض تنظيم الإنسحاب العسكري كما يجب أن يكون ( لا إعادة الإنتشار كما ورد)، وإعادة توزيع المسؤوليات الأمنية، وإنشاء التزامات متبادلة ذات طبيعة مستمرة، وهي جميعها موضوعات تعّد بطبيعتها، من عناصر المعاهدات الدولية التي تُنشىْ أو تعدّل أو تنهي أوضاعاً قانونية قائمة بين الدول.
ولا يغير من هذه النتيجة أن بعض أحكام هذا الإطار، أحالت إلى إتفاقات او ملاحق لاحقة لتنظيم وسائل التنفيذ، لأن الإحالة الى إتفاقات تنفيذية لا تنفي وجود إلتزامات أصلية أنشأها الإطار ذاته، بل تؤكد أن الوثيقة أرست منذ توقيعها القواعد الجوهرية التي تلتزم الأطراف بتنفيذها من حيث النص، وتركت للتدابير اللاحقة تنظيم آليات التطبيق دون المساس بأصل الإلتزام،
فعندما نرى أنه في البند الثاني عشر من الإتفاق أن عبارة full comprehensive peace and security agreement قد يظنها البعض ظاهرياً أن هذه الوثيقة الحالية ليست معاهدة، إنما هي بالفعل Framework، نجد بالعمق أنها ليست كذلك، وإنما هي معاهدة إطار Frame Treaty، لأنه ومن خلال الدراسة النقدية يتعيّن علينا التطرق للطبيعة القانونية Qualification juridique لهذا الإتفاق، لتحديد هذه الطبيعة، بإعتبار أنها المدخل الإلزامي الذي يتعين سلوكه، قبل أي تقييم لمضمونه، وفقاً لمنهج محكمة العدل الدولية في قضايا عدة. بحيث أنه لا يُعتد بالعنوان للوثيقة، بل بالمضمون والإرادة القانونية للأطراف وفقاً لما حددته المادة 1، البند أ من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الصادرة في 23 أيار 1969، والذي جاء فيه:
" أ- يُقصد ب "المعاهدة" الإتفاق الدولي المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة والذي ينظمه القانون الدولي، سواءً تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان أو أكثر، ومهما كانت تسميته الخاصة..."
وبما أن هذا الاتفاق أساساً هو مرحلة من المراحل التي قد لا تصل سواءً بالعنوان أم بالمضمون الى درجة المعاهدة، فسيكون البحث في مفاهيم المعاهدة الدولية، والتي ستتضمن بيان ما إذا كان الإتفاق موضوع البحث هو إتفاق إطار فعلاً كما تمت تسميته أم هو معاهدة دولية بكل ما في الكلمة من معنى.
فالمعاهدة الدولية إذن هي الإتفاق الدولي الذي يعقد بين دول ويخضع للقانون الدولي، وينشىْ التزامات قانونية.
وعليه ترتكز معايير التكييف للمعاهدة الدولية على ثلاثة عناصر:
- وجود أطراف دولية: وبالرغم من النزاع القائم بين لبنان و"إسرائيل"، فإنهما تعتبران دولتان بالمعنى القانوني الدولي. الأمر الذي يوجب معهما إنطباق أحكام المادة 1 أعلاه عليهما.
- التزام قانوني: بما أنه وكما أشرنا أعلاه لا تكون العبرة بالتسمية، سواءً كانت(ِ,Agreement, Framework ,Memorandum of Understanding)، أم غيرها من التعابير، وإنما العبرة فعلياً وواقعاً وقانوناً ما إذا كانت النصوص الواردة فيها تستخدم صياغة إلزامية
( Shall, obliges, commits)
ج- خضوعها للقانون الدولي.
وتأسيساً على ما تقدم،
وإستناداً الى ما أشرنا اليه أعلاه من شرح لمُدخلات الموضوع ،
يتعيّن علينا بحث الموضوع بتفصيلٍ أعمق وأدق يتجلّى بتقسيمه الى قسمين رئيسيين هما: القواعد العامة في القانون الدولي، ثم تطبيق هذه القواعد على الإتفاق المعلن في واشنطن بتاريخ 26/6/2026:
أولاً- ما هو المعيار في القانون الدولي للمعاهدة الدولية:
من العودة الى مواثيق الأمم المتحدة والى قانون فيينا للمعاهدات والإتفاقات
Vienna Convention in the law and treaties
التي تعرّف المعاهدة، ولا سيما في الفقرة a من المادة الثانية منها، ، بأنها:
" المعاهدة هي إتفاق دولي يُبرم بين الدول كتابةً ويخضع للقوانين الدولية، سواءً أكانت في وثيقة واحدة أو في وثيقتين او أكثر ذات صلة وأياً كان تصنيفها المحدد"
-“ Treaty” means an international agreement concluded between states in written form and governed by international law, whether embodied in single instrument or in two or more related instruments and whatever its particular designation “
وهذا التعريف بالغ الأهمية وحاسم لأنه يؤكد قانوناً في اتفاقية دولية، أنه لا أهمية للتسمية من قبل الفرقاء، سواءً أكانت: Framework , agreement,
Memorandom of understanding, protocol, decleration, Exchange of letters،
فقد يكون أي واحداً من هذه التسميات يسمى معاهدة عندما تقصد الدول المتعاهدة ترتيب حقوق او التزامات تتضمنها هذه الوثيقة . وهذا المبدأ مكرس في القوانين ذات الصلة ومستقر في الفقه والاجتهاد.
ثاتياً- ما هو إتفاق الإطار:
التسمية: إتفاق الإطار ( Framework Agreement ) ليست إصطلاحاً قانونياً جامداً، إنما هو إتفاق يضع النقاط التالية: المبادىء العامة، آلية التفاوض، أهدافاً مشتركة، مراحل التنفيذ. وبعد ذلك يترك التفاصيل لإتفاقاتٍ لاحقة،
إذن هو قد يكون مجرد وثيقة سياسية Political Agreement ، أو معاهدة دولية ملزمة. وهنا تكمن النقطة الجوهرية التي يتعين بحثها لتصنيف الوثيقة تصنيفاً قانونياً صحيحاً ودقيقاً، لا مجال للخلط فيه او تشتت الفكر، أهي إتفاق إطار أم معاهدة. وكيف يمكن التفريق فيما بين ما إذا كانت إتفاق إطار بالفعل، تنتهي بإنجازها وفقاً للأصول عند السلطة الإجرائية، أم معاهدة دولية تستوجب إستكمال إجراءاتها وفقاً لما قررته النصوص القانونية، وما حدده الفقه والإجتهاد في هذا الصدد، مما يوجب معه بيان التالي:
ثالثاً- كيفية التمييز ما اذا كان الموضوع اتفاق اطار سياسي ام معاهدة دولية ؟
الفقه والاجتهاد الدوليين إعتمدا للتفريق بين كلٍ منهما على التساؤلات والنقاط التالية:
- هل قصدت الدول المعنية الإلتزام قانونياً ؟
تبحث هنا المحاكم الدولية هنا على أمورٍ ثلاث هي:
- الصياغة ( Wording)
- السياق Context) )
- سلوك الاطراف Conduct of parties) )
مما يشير إلى أن المعيارالأول لا يقيم للعنوان المعطى من الفرقاء قيمة أمام هذه النقاط الثلاثة المشار اليها، مما يوجب معه، أن المعيار الأول من التساؤلات ليس له إلا دلالة إشارية الى نوع الوثيقة لا يمكن إعتبارها حاسمة بإعتبار أن ما تتضمنه هو الذي يحدد طبيعتها القانونية.
- هل ينشىء هذا الصك او المستند حقوقاً وإلتزامات ؟:
إذا تضمن أيٍ من العبارات التالية:
تتعهد الدولة، تلتزم..... يجب... فهذه مؤشرات قوية للقول بجنوح الوثيقة المتضمنة هذه العبارات او الكلمات الى مفهوم المعاهدة وتصنيفها على هذا الأساس.
أما إذا تضمنت عبارات او كلمات مثل، تنوي.....، تسعى....، تتعاون....
فهي أقرب الى أن تكون مجرد إعلان سياسي أو تعبير عن نوايا لا ترقى الى درجة الإلزام.
هل تتضمن هذه الوثيقة آليات تنفيذ ؟
إذا تضمنت آليات تنفيذ مثل لجان مشتركة، مهل زمنية، إجراءات إلزامية، تحكيم، تسوية نزاعات، ...................
هنا لا بد من تصنيفها بأنها معاهدة لأن هذه الآليات التنفيذية تخرج عن نطاق الإتفاق الإطار الذي لا يتسم بهذه الآليات التنفيذية التي تختص فيها المعاهدة دون غيرها.
هل يتغير بموجبها المركز القانوني للدولة:هل تتأثر بموجب هذه الوثيقة، الحدود، الأمن ، السيادة، الموارد، العلاقات الخارجية......، فإذا كان للإتفاقية تأثير على تلك المواضيع، فتتسم هنا بمفهوم المعاهدة أيضاً .
ولا بد لنا بعد المرور بالتدقيق في التساؤلات المشار اليها أعلاه من أن نتطرق بصورة حاسمة ومفصلة أكثر الى النصوص الدستورية التي ترعى هذا الموضوع وعلى الأخص المتعلقة بالمادة 52 من الدستور اللبناني، المنوّه عنها أعلاه، لأنها من أساسيات البحث.
وبما أنه من العودة الى هذه المادة يتبين لنا ان المعاهدة العادية تتميز دقائقها بالمحددات التالية:
*- أن رئيس الجمهورية هو الذي يتولى إجراءات المفاوضة بالإتفاق مع رئيس الحكومة . ولا تصبح نتيجة هذه المفاوضات الموقعة مبرمة قانونياً، إلا بعد موافقة مجلس الوزراء.
*- ان المعاهدات او الاتفاقات التي تمس مالية الدولة، او التجارية منها، او لا يجوز فسخها سنة فسنة فواجب السلطة الإجرائية فلا تتمتع بالنفاذ الا بمصادقة او موافقة المجلس النيابي.
مع الإشارة أيضاً الى أن الإجتهاد اللبناني والفقه الدستوري يضيفان مفهوماً يؤكد أن المعاهدات ذات الأهمية السياسية أو السيادية تستوجب أيضاً إحترام الآليات الدستورية وفقاً لطبيعة الإلتزامات التي تنشئها، وهذه الإضافة من منطق الأمور التي توجب ذلك.
- تطبيق هذه المعايير على الإتفاق الإطار موضوع بحثنا الموقع في واشنطن بتاريخ 26/6/2026:
إن إستعرضنا ما أُعلن رسمياً فقط، دون الدخول في أي ملحقات غير منشورة أو مثبتة او رسمية، فإن السؤال القانوني هو: هل أنشأ هذ الإتفاق التزامات نهائية على لبنان، أم أنه إقتصر على وضع إطار للتفاوض فقط؟
فإذا كان الإحتمال الأول صحيحاً فهو معاهدة، بغض النظر عن تسميتها
أما إن إقتصر على، إنشاء آليات تفاوضية، أو وقف إجراءات معينة، أو إعلان نيات، او وضع مبادىء عامة فهو إتفاقاً إطارياً، أو تفاهماً سياسياً أو تفاهماً تنفيذياً، لا يرقى بحد ذاته الى مرتبة المعاهدة التي تستوجب الإقرار البرلماني.
ما هو الأمر فيما يعود للملحق الأمني السري :
هنا تصبح المسألة مختلفة تماماً. فإن صح وجود ملحق غير منشور، خاصةً وأنه أشير إليه في الإتفاق الموقع في واشنطن بين فرقائه، وإن كان يتضمن أيٍ من التزامات أمنية، أوالتزامات سياسية، أو التزامات مالية، أوتنازلات سيادية، او التزامات دائمة، فإن التكييف القانوني لا يعود يعتمد على النص المنشور وحده ( الاتفاق الإطار)، وإنما يجب النظر حينها الى مجمل الإتفاق لا الى جزءٍ منه للبناء على هذا الجزء دون مجموعه، بإعتبار أن الفقه الدولي يعتبر أن الملحقات تُعد جزأً من المعاهدة متي أحالت إليها أو إرتبطت بها وظيفياً، ولو كانت سرية بين الأطراف. إذ أنه عندئذٍ الإتفاق بمجمله يصبح معاهدة تستوجب إحترام الإجراءات الدستورية الداخلية ومنها – بالنسبة للحالة اللبنانية- ما تفرضه المادة 52 من الدستور عندما تدخل طبيعة الإلتزامات ضمن الفئات التي تستوجب موافقة مجلس النواب.
ونعود لنؤكد هنا مجدداً، وعلى ضؤ ما تقدم ان الإسم الذي يُطلق على الوثيقة ليس معياراً قانونياً حاسماً، فالعبرة بمضمونها، وبما يقصده أطرافها، بالإضافة الى الآثار القانونية التي تُنشُئها. هذا وقد أكدت المحاكم والفقه الدوليان مراراً أن الوثيقة قد تحمل إسم " إتفاق إطار" أو " مذكرة تفاهم " ومع ذلك تكون معاهدة بالمعنى القانوني عندما تستوفي احد عناصرها المشار اليها.
ومن العودة الى بنود الإتفاق الأربعة عشر، يتعين بدايةً من ناحيةٍ أولى:
- التمييز بين الإستنتاج القانوني والموقف السياسي. فلا يكفي أن يكون الإتفاق غير متوازن سياسياً، بل ينبغي الإثبات من نصوص الإتفاق ذاته، أنه يترتب عليه التزامات قانونية حالّة ونافذة على لبنان، مقابل التزامات مستقبلية أو مشروطة من الطرف الآخر، وعند ثبوت ذلك يبنى على الأمر مقتضاه بالتصنيف أنها ليست إعلان نوايا واتفاق إطار إنما هي معاهدة.
- بروز بالفعل ما يستحق التوقف عنده. ذلك أن مضمون النصوص الأربعة عشر المشار إاليها يأتي فيها النص متحدثاً عن عملية متسلسلة ( Sequenced process ) وعملية متبادلة تدريجياً ( Reciprocal and progressive process ). إلا أن التنفيذ الفعلي يربط العديد من الخطوات اللاحقة بقيام لبنان أولاً بإجراءات فورية والتحقق منها.
وعلى ضؤ التحليل الوارد أعلاه والوارد في اكثر من مقام او مقالة او اعلام ، يتبين لنا بوضوح وصراحة:
- أن التزامات لبنان محددة وفورية من حيث المبدأ والواقع ومن حيث البدء بالتنفيذ: ومنها بسط السلطة الفعلية للدولة على كامل الاراضي اللبنانية فور دخول الإتفاق حيّز التنفيذ.
- أن التزامات إسرائيل صيغت بصيغة مشروطة: إذ أن عبارة إعادة الإنتشار للقوات الاسرائيلية ( وليس الإنسحاب الفوري الى ما وراء الحدود الدولية عند دخول الإتفاق حيّز التنفبذ) كما هو مفروض على لبنان. كما أنها أيضاً مرتبطة بالتحقق من قبل أحد طرفي الإتفاق(وربما هنا "إسرائيل") من تنفيذ الطرف الآخر (لبنان) لإلتزاماته. فبعض العبارات المستعملة فيه. وهنا على سبيل المثال لا الحصر لنأخذ بنداً واحداً وبيان صحة ما تقدم عليه:
- في البند الثاني من الاتفاق جاء بما معناه أنه بإنتظار نزع السلاح المتحقق من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها مما يمكن قوات الدفاع الاسرائيلي من إعادة الإنتشار تدريجياً خارج الأراضي اللبنانية وأنه سيتم تفصيل مكونات هذه العملية في ملحق أمني يُعد بدعم كامل من الولايات المتحدة الأميركية وسيكمل هذا الإطار
- the verified disarmament of non-state armed groups and dismantlement of associated infrastructure, enabling the israel defence forces (IDF)to progressively redeploy out of the Lebanese territory
وهنا لا بد من تحليل اِلإشكال البنيوي وعدم التماثل الشرطي في البند الثاني المذكور، لنقيس به على بقية البنود من الإتفاق والتي تتسم بها أيضاً جميعها لجهة فقدانها هذا التماثل المشار إليه، وهو ما يطلق عليه في الإصطلاح القانوني (asymmetry Conditionality):
فالعبارة باللغة الإنكليزية الواردة أعلاه تعني عملياً وفعلياً نزع سلاح الجماعات غير الحكومية بالإضافة الى وجوب تفكيك بنيتها التحتية مما سوف يؤدي ويمكّن القوات الاسرائيلية من اعادة الانتشار التدريجي خارج الاراضي اللبنانية
وهنا يظهر لنا من هذه الصياغة المتمايزة في التزامات كل طرف، من أنه لدينا خلل واضح في عدم توازن الإلتزامات ( Imbalance of obligations) المتبادلة من حيث:
أولاً- ان التزام لبنان مطلق من حيث الهدف لكنه غير محدد من حيث الوسائل والمدة restore effective sovereign authority, verified disarmament) )
أما التزام اسرائيل فهو مؤجل ولاحق ومستقبلي لا آني، ومرتبط بشرط تنفيذ، وعند استكمال إلتزامات لبنان، عندها ينطلق بدء سريان التزام اسرائيل بتنفيذ موجباتها او التزاماتها بعد التحقق من هذا التنفيذ.
وبما ان هذا الالتزام على اسرائيل غير منجز فوراً كما فُرض في الاتفاق على لبنان ومعلق على شرط قد يتأخر او يتوسع تفسيره وفقاً لظرف زمني لاحق قد يتحقق وقد لا يتحقق. لذلك فإن هذا يسمى في قوانين الاتفاق بما يعرف بأنه: التزام معلق على شرط غير منضبط Open – ended suspensive condition )، أي أنه شرط لا يملك او يتسم بمعيار إتمام واضح وبالتالي قابل للتأجيل السياسي الدائم، أو لغير ذلك من الاسباب التي قد تطرأ لاحقاً، ويمكن الإحتجاج بها لتأخير تنفيذ الإلتزام المعلق هذا.
ثانياً- خطورة عبارة Verified disarmament
بإعتبار ان كلمة verified ليست تقنياً بريئة في هذا المجال، بل تتضمن جوهر الإشكال لعدم إمكانية حسمها التساؤلات التالية:
- من الذي يقرر " التحقق "؟
- ما هو معيار الاكتمال؟
- وهل التحقق جزئي أم شامل أم نهائي؟
وفي التجارب الدولية تبين أن هذا النوع من العبارات يؤدي غالباً إلى نقل القرار او بالأحرى التقرير في ذلك من معيار قانوني الى سلطة تقديرية سياسية/ أمنية. وبالتالي ستفتح باب تعطيل التنفيذ بحجة عدم الإكتمال الكامل (كما لو كان هناك مثلاً، مسدساُ أو بندقية في أقصى شمالي لبنان لا في جنوبه، مع شخصٍ ما حتى ولو كان غير حزبي) حيث يمكن ان تقوم اسرائيل عندها، ليس بالإدعاء فقط، وإنما التقرير بعدم الإكتمال طالما جاءت الكلمة المشار اليها مبهمة تجيز إمكانية التمسك بها بغير وجه حق. وفي هذه الحال يكون الشرط ليس " نزع سلاح " ، وإنما يصبح " نزع سلاح وفقاً لما تعترف به جهة "التحقق" ، وهي هنا قد يدلى لاحقاً أنها اسرائيل بدون أن يتضمن الإتفاق بيان ذلك بشكلٍ محدد بدقة. والفرق بين العبارتين شاسع، والفرق بينهما أيضاً جوهري وأساسي وحاسم في القوة القانونية لكلٍ منهما.
ثالثاً- عبارة ( …Enabling the Israeli Defence Forces
فالنص لم يرد بتعأبير ك: إنهاء وجود Termination of presence، أو إنسحاب Withdrawal ، وإنما جاء بعبارة: تمكين ... إعادة إنتشار تدريجي Enabling …. to progressively redeploy out وان هذا التعبير الأخير يحمل مخاطر قانونية ثلاثة هي :
*- تحويل إعادة الإنتشار الى عملية إختيارية وتقديرية لأنها تمكيناً بعد ان يتم التحقق، كما جاءت العبارة وليس إلزاما. وقد يكون من نقطة معينة الى نقطة أخرى غيرها من الأراضي اللبنانية مثلاً، وليس الإنسحاب الى خارج الحدود اللبنانية الدولية Lebanese border، المكرّسة لدى المنظمات الدولية. فكان من الأفضل للدولة اللبنانية تحديد ذلك بدقة، لأن الحدود اللبنانية الدولية المعترف بها دولياً منذ سريان إتفاقية الهدنة العامة بين لبنان وإسرائيل، الموقعة في رأس الناقورة بتاريخ 23 آذار 1949، ومثبتة دولياً، والموقعة من الجانب الإسرائيلي، وما سبقها من ترسيم للحدود الدولية بين لبنان وفلسطين منذ العام 1923، فتكون بذلك حجةً بوجهه وبوجه المجتمع الدولي ومنظماته الدولية، بينما عبارة الأراضي اللبنانية قد يُنازع فيها نظراً لوجهة نظره التوسعية التي أعلنها رئيس الحكومة الإسرائيلية في كلمة له في الأمم المتحدة منذ فترة غير طويلة، وكافة المسؤولين في كيان العدو . أي أن الإنسحاب الى الحدود الدولية يكون واجباً قانونياُ محدداً ومباشراً بتحقق الظرف ، لا أن يأتي نتيجة ظروف يحددها طرف من اطراف الاتفاق بصورة منفردة، أو آلية لاحقة لعدوٍ محتل، وتبين بوضوح أنه لا يقيم أي وزن للقانون الدولي ولا يعترف بحدود او اتفاقات انتهكها بعد توقيعها وكأنها لم تكن وتاريخه شاهدٌ على ذلك.
والدليل على هذه الثغرات لم تأتِ من تحليل لبناني فقط، بل جاءت من مركز لتحليل الدراسات للشرق الأوسط في واشنطن دي- سي بالذات، حيث ورد بشأن ذلك ما يلي:
Randa slim, lead for the Middle East program at Stimson Center, stated that the Lebanon framework lacks a withdrawal timetable and clear definitions for disarming Hezbollahو She noted that without tangible evidence of Israeli forces withdrawing behind the “ yellow line” pilot zones could serve as a “smokescreen” for an indefinite occupation in southern Lebanon.
وما يعنيه ذلك بالعربية أن هذا الإتفاق الإطار وبشهادة المركز الأميركي المذكور، يعاني من ثغرات أساسية، منها ما يأتي:
*- غياب الجدول الزمني: فالإتفاق يفتقر الى جدول زمني واضح للإنسحاب الإسرائيلي.
*- غموض نزع السلاح:المصطلحات المتعلقة بنزع سلاح حزب الله غير محددة بدقة
*- خطر الإحتلال المقنع: بدون أدلة ملموسة على إنسحاب القوات الإسرائيلية خلف "الخط الأصفر" فإن " المناطق قد تتحول الى مجرد " ستار دخاني" لتكريس إحتلال دائم في جنوب لبنان Pilot zones التجريبية"
وهذا التحليل للسيدة رندا سليم في المركز المذكور يُسلط الضؤ على الإشكاليات التقليدية في الإتفاقات الدولية المبهمة، ويمكن قراءته من خلال النقاط التالية:
*- فخ المناطق التجريبية: بالتحذير من أن هذه المناطق قد تتحوّل الى غطاء للإحتلال مستند الى تجارب تاريخية. فالأفكار المؤقتة في النزاعات غالباً ما تتحول الى أمر واقع ودائم إذا لم يقترن بضمانات دولية صارمة.
*- شيطان التفاصيل: حيث ان غياب آليات واضحة وتعاريف محددة (مثل كيفية وتوقيت التعامل مع السلاح او الانسحاب يفتح الباب لتفسيرات مختلفة ومتناقضة من قبل الأطراف، مما يجعل الإتفاق هشاً وقابلاً للإنهيار أو التنابذ في مضامينه، وذلك عند أول إختبار عملي.
*- ميزان القوى: تعكس مقالة المركز الناشر المذكور ما يراه من ان الجانب اللبناني قد يكون بذلك قد قدّم تنازلات جوهرية فعلية وعملية مقابل وعود فضفاضة، وهزو ما يحدث عادةً عندما يوضع إتفاق تحت ضغط عسكري او سياسي مكثف.
وما يؤيد هذا التحليل التوسع بإستكمال بحثنا لهذا الموضوع لجهة:
*- إدراج مفهوم او تعبير " التدرج " دون سقف زمني:
لأن كلمة تدريجياً الواردة في الإتفاق بدون أن يتبين أن لهذا التدرج جدول زمني معلوم، او مراحله محددة بتواريخ قد تطول او تقصر، أو أن له معيار إنجاز نهائي، يعني أنه إنسحاب مفتوح المدى ( Open – ended withdrawal ) ويعتبر ذلك في مفهوم القانون الدولي وعلم العلاقات الدولية من أخطر الصيغ لأنه يفرّغ الإلتزام من مضمونه المحدد والإلزامي الواجب التقيد فيه بدقة عند حلوله.
*- ربط الإنسحاب بشرط داخلي لبناني واسع جداً:
مما يعني أن أي خلل في القيام بالموجب اللبناني مثل التفكيك او التحقق او غيره، يبرر إستمرار الوجود العسكري للإحتلال، أو تأجيل التنفيذ للإلتزام الإسرائيلي، وهنا يصبح شرط الربط هذا قابلاً للتوسع وليس للإغلاق، ومتمادٍ وفقاً للرغبة الإسرائيلية دون غيرها.
رابعاً -غموض نطاق Scope ambiguity لعبارة " الأراضي اللبنانية" : أي انها في العلم القانوني نطاقها غامض ومطاط. ومع أننا أشرنا آنفاً الى ذلك إيجازاً، إلا أنها قد تبدو واضحة ظاهرياً. لكنها في إتفاقات مشابهة، او عند تحليلها بالذات قد تصبح محل نزاع عبر:
- * تعريف خطوط الإنسحاب لاحقاً او عند الإقتضاء سواءً في الملحق الأمني المشار إليه في البند 2 المذكور او في اتفاق متمم آخر او جديد.
- * أو إعادة تفسير الحدود ضمن ترتيبات أمنية، وربما قد تكون جديدة، فالخط الأزرق الذي قضم من الأراضي اللبنانية هو محل نزاع أصلاً منذ قضم مساحة كبيرة من الأراضي اللبنانية.
- * او ربطها بنقاط متنازع عليها او مناطق عازلة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، مازال النزاع قائماً بعد إجتياح الكيان الصهيوني للبنان عام 1982 حيث قضم قسماً كبيراً من الأراضي اللبنانية وعمد الى فرض الخط الأزرق الذي يمتد داخل الأراضي اللبنانية وينازع فيه الكيان المحتل بأنه المعلم الجديد للحدود،
أما الآن فقد ينازع مستقبلاً على ما تم إجتياحه وسمّاه الخط الأصفر، وبتكاثر الخطوط الملونة، في حال قام بإجتياحات مماثلة، قد يفقد لبنان مجدداً بحكم الواقع قسماً كبيراً من أراضيه بسبب تنازله عن المطالبة بإنسحاب الكيان الصهيوني الى خارج الحدود الدولية اللبنانية التي جرى ترسيمها وتكريسها من المنظمات الدولية منذ العام 1923 قبل وجود الكيان المحتل على أرض فلسطين
وهنا، الخطر لا يكمن في الكلمة نفسها فقط، بل في إحالة تحديد النطاق الى ملحق أمني لاحق حسبما ورد في البند 2 موضوع البحث، او تفسير جديد لكلمة حدود بشكل يلغي فعالية إتفاقية الهدنة المشار اليها وما سبقها من اتفاقات مكرّسة احكامها دولياً، وهو ما ترغبه اسرائيل من خلال تصريحاتها المتكررة منذ زمن، والذي قد يكرّس الخطوط الملونة الجديدة بدلاً من الحدود الدولية المحددة تحت مظلة القانون الدولي والمنظمات الدولية.
وهذا الخطر المشار إليه بالإضافة الى تغييب عبارة الحدود الدولية وهي الأصح قانوناً والتي قد تنقل الى ملحق أمني لاحق أو وثيقة تنفيذية أخرى، كما أشرنا آنفاً، قابلة للتفاوض المستمر أو الإذعان لها لسببٍ أو لآخر. الأمر الذي قد يُفقِد لبنان بعضاً من اراضيه المعترف فيها دولياً وعالمياً ، وبذات الوقت ينال من قيمة إتفاقية الهدنة وما سبقها، التي ما زالت قانوناً معمولٌ بها دولياً، وكما بينّا أعلاه، وهي وما سبقها عام 1923 حجر الرحى الوحيد في الإعتداد بها دولياً منذ نكبة فلسطين.
خامساً- التقييم القانوني الحاسم: وفقاً للمعيار القانوني الصرف يمكن توصيف هذا البند بأنه:
- ولو سمي إتفاق إطار لكنه غير منهي للنزاع، لأنه ليس إتفاق إنهاء وجود، بل مرحلة إنتقالية مفتوحة.
- يتّسم بإختلال كبير في توازي الإلتزامات، التزام الطرف ألأول (لبنان) التزامه مطلق الهدف طالما لم يستطع تنفيذه على أرضه فالاحتلال قائم وجاثم بموافقة وبإجازة وموافقة وتعهد من قبل لبنان وبتوقيعه لهذا الاتفاق في حال تمّ إعتماده ونفاذه.
أما الطرف الثاني "إسرائيل" فالتزامها مشروط ومرهون ومرحّلٌ تنفيذه الى زمنٍ غير محددبحجة إنتظار لبنان وإبقائه محتلاً لحين تنفيذ كافة موجباته والتزاماته في الاتفاق. أي أن لبنان وافق خطياً على إحتلال أراضيه، وبقاء قوات الاحتلال فيها بموافقته. بالإضافة الى أنه تدريجي وفقاً للنص. وغير محددة نهايته كلياً، وبصورة أدق متروك لرغبة اسرائيل في احتلال قسم كبير من الأراضي اللبنانية. وهذا الوضع يعطي "لإسرائيل" على حساب لبنان قابلية عالية للتأويل للوقائعوالظروف والمعطيات بما يناسب وضعها وإرادتها لوحدها دون أي دور للبنان، خاصةً بسبب التعابير المشار اليها أعلاه من سلطة تحقق، وتدرج غير محددلتبديل إنتشارها وهو قانوناً إحتلالها لبنان بإعتراف موقع منه على الإتفاق الإطار ذاته او هذه المعاهدة التي من صياغتها وفقاً لما ورد آنفاً يتبين ىأنها لا تُنشىء إلتزام إنسحاب نهائي محدد خارج الحدود الدولية، بل تنشىء مساراً تنفيذياً مفتوحاً يمكن تمديده عملياً على الاراضي اللبنانية، وفقاً لواقع الحال حسب رغبةومشيئة الطرف الاسرائيلي، وذلك الى أجلٍ غير مسمى إذا لم تقفل آلياته بمعايير زمنية وموضوعية وتعابير محددة وصارمة. كما وفي كافة بنودالإتفاق الأربعة عشر النتيجة فيها سلبية على لبنان إيجابية على إسرائيل.
وبالتالي يكون الخطر الحقيقي على لبنان ليس في إشتراط نزع السلاح بحد ذاته، بل في غياب معيار الإتمام، وغياب سقف زمني للإنسحاب، وتكريس الإحتلال الاسرائيلي للبنان بموافقة لبنانية خطية، وإحالة جوهر التنفيذ الى ملحق أمني قابل لإعادة التفسير وبقلب الأمور على أعقابها، او تركها على عواهنها، بالإضافة إلى ما قد يزيد من التزامات وأعباء على لبنان، والتي تزيد من إضعاف قدرته على إعادة تكوين مرافقه العامة والخاصة التي ينؤ بحمايتها وإبقائها أصلاً بصورتها الطبيعية للبدء في تحسين أوضاعه السياسية والإجتماعية والحياتية، خاصةً وأن آلية التحقق نفسها ليست بيد لبنان بل الوضع بإنتظار إنشاء مجموعة تنسيق ثلاثية بقيادة أو مشاركة الولايات المتحدة، مما يعني أن تقرير تحقق الشروط لا ينفرد فيه الطرف اللبناني لخضوعه للمراقبة والتحقق والتدقيق من قبل باقي اطراف الاتفاق ، إن لم نقل أن قراره فيه واقعاً وقانوناً سيكون متلقياً ومنفذا فيه لا مُحدداً ومقرراً لما يريده وذلك بدليل، وكما أُشيع، أنه خلال الآجتماعات المعقودة في واشنطن عندما عرضت الأمور والمطالب، ورفض وتمنع الوفد العسكري عن القبول بها لفداحة أعبائها وإنعكاساتها السلبية على لبنان، تم تغييب الوفد المذكور لإلتزامه بشعاره" شرف،تضحية، وفاء" بحيث بقي وفد لبنان المدني لإجراء الإتفاق المفروض وربما للإفساح بحصول التوقيع على الإتفاق دون أي إعتراض يظهر أو مخالفة تدرج فيه خطياً. الأمر الذي يمكن معه القول أن توقيع الوفد اللبناني كان توقيعاً لما أُملي عليه لا ما قرره هو.
وبما أن هذا الإتفاق وكما تبين لنا، وإن وُصِف بأنه "إتفاق إطار" إلا أنه أنشاً فعلياً وواقعياً وبالنتيجة، التزامات قانونية مباشرة وواجبة التنفيذ على عاتق الدولة اللبنانية شأنه شأن المعاهدة الدولية، في حين جعل الإلتزامات على الطرف الآخر التزامات مستقبلية معلقة على تحقق شروط يثبتها نظام للتحقق لا يخضع لإرادة لبنان وحده على أرضه، الأمر الذي يجعله عملياً وقانونياً، يتجاوز نطاق إعلان النيات أو مفهوم إتفاق الإطار السياسي ويدخل في نطاق المعاهدة الدولية المنشئة لإلتزامات قانونية يفترض أن تكون متبادلة ، وهي ليست كذلك قانونياً وواقعاً وفعلاً..
بل والأخطر من ذلك، أن ما يزيد الموضوع تساؤلاً، أنه يثير إشكالية دستورية من حيث أن البعض يرى من كل ذلك أن هذا الإتفاق المسمى إتفاق إطار، يغيّر في كيفية ممارسة الدولة لسيادتها في مسائل الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية مع دولة أجنبية حتى الآن هي دولة عدوة فعلياً وتاريخياً ودستورياً وقانونياً، فيرسم مساراً ينتهي وفق البند الثاني عشر من الإتفاق، الى الإعداد لإتفاق سلام وأمن شامل من خلال فرق عمل مشتركة.
( للتوسع في هذا الموضوع العودة الى نص بنود الإتفاق ، والى التقرير الذي وضعه معهد هينغتون في واشنطن بتاريخ 29/6/2026 ) أي بعد ثلاثة أيام فقط من توقيع الإتفاق.
( Hington institute, 14 points on the 14 points: Assessing the isreael- Lebanon Framework Agreement, 29/6/2026 ) 2026)
ويتضمن التقرير او البحث الذي أعدّه المعهد المنوّه عنه أعلاه، وبصورةٍ صريحة، أن الإنسحاب الإسرائيلي ليس تلقائياً ولا مفترضاً ( مع الإشارة الى أن كلمة إنسحاب لم ترد في الإتفاق ولا مرةً واحدة)، بل إن وتيرته ونطاقه يتوقفان على مدى نجاح الجيش اللبناني في تنفيذ التزاماته ( وهنا يتعين الإشارة الى ان الجيش لم يلتزم، والمقصود الدولة اللبنانية الذي هو إدارة من إداراتها)، كما يضيف كاتب المقال Robert Satlof بأن الاتفاق واضح تماماً في ترتيب التنفيذ، بحيث أن نجاح لبنان في تنفيذ إلتزاماته هو الذي " يمكّن " إسرائيل من إعادة إنتشار قواتها ( وليس سحب قواتها، وسيان ما بين التعبيرين، لأن هذا الإتفاق يُسبغ على القوات الإسرائيلية مشروعية قانونية لفعل وجودها داخل الحدود والأراضي اللبنانية نتيجةً لهذا الإتفاق المتعارض مع الدستور والقانون، ولفترة زمنية غير محددة المدة). ويؤكد بأن الإتفاق يرتّب التزاماً مباشراً وفورياً على لبنان قابلاً للتحقق، بينما الإلتزام الإسرائيلي لاحقاً ومشروطاً ومعلق على تنفيذ لبنان لإلتزامه، وحتى التحقق من تنفيذ لبنان لموجباته، وجود الإحتلال الإسرائيلي وقواته داخل الإراضي اللبنانية قانونيته مستمدة من الإتفاق الإطار هذا، وهو ما يخالف الدستور، بالسماح لجيش عدو، التموقع والتمركز في أرض لبنانية، ومخالف لإتفاقية الهدنة للعام 1949 وما سبقها، وتعارضه مع أحكام القانون الدولي).وبما أن هذه التعابير خطيرة ودقيقة لما قد تنتجه سلباً أو إيجاباً لصالح طرف على حساب الطرف الآخر فإنه يتعين الإمعان تفصيلاً بهذا الشأن بقول ما يلي :
إن إشكالية هذه المسألة ليست من الناحية اللغوية فحسب، بل هي ذات أثر بالغ على المعنى والنتيجة، فليس سيان أن يقال:
* الإنسحاب الى الحدود الدولية Withdrawal to the international border
*- أو إعادة الإنتشار Redeployment
فالتعبيران ليسا سواءً، بل بينهما فوارق جوهرية مبنىً ومعنى. ذلك أن عبارة الإنسحاب الى الحدود اللبنانية الدولية، يعني في الأساس: خروج القوات الإسرائيلية من كافة الأراضي اللبنانية المحددة دولياً، والعودة الى ما وراء الحدود الدولية المعترف بها. وهو تعبير يحدد وجهة الإنسحاب ونهايته وأبعاده القانونية، فلا يترك مجالاً للقول أن لتلك القوات حق البقاء في أي جزءٍ او أرض على الإقليم اللبناني وفقاً لحدوده الدولية المعترف بها والثابتة وفقاً لمعايير القانون الدولي.
أما إعادة الإنتشار، فهي عبارة عسكرية أكثر ضبابيةً، بالإضافة الى أنها أكثر غموضاً أيضاً، ولا تفيد بالضرورة وبدقة وحسم، الخروج من الإقليم، لأنها قد تفّسر أيضاً بمعنى:
- إعادة توزيع هذه القوات داخل الإقليم نفسه.
- أو الإنتقال من نقطة الى أخرى.
- أو التمركز في نقاط جديدة لأغراض عملياتية.
ولهذه الأسباب، فإن إستخدام عبارة " إعادة الإنتشار" بدلاً من الإنسحاب الى خارج الحدود اللبنانية الدولية، لا يعد مجرد إختلاف في الألفاظ فقط، بل ينطوي على إختلاف جوهري كما قلنا في المركز القانوني. فالأولى أي إعادة الإنتشار لا تستلزم إنهاء الوجود العسكري داخل الأراضي اللبنانية أو عليها، في حين أن الثانية قاطعة وحاسمة قانوناً بهذا الأمر.
بمعنى آخر، ليس سيان أن ينص الإتفاق على إنسحاب القوات الإسرائيلية الى خارج الحدود اللبنانية الدولية، أو على إعادة إنتشارها. فالتعبيرين ليسا سواء، فالإنسحاب يقتضي في مدلوله القانوني والطبيعي، مغادرة الإقليم اللبناني، والعودة الى ما وراء حدوده الدولية، في حين أن إعادة الإنتشار لا تعني بالضرورة إنهاء الوجود والإحتلال العسكري القائم على الأراضي اللبنانية، او على جزءٍ منها تم السيطرة عليه بالقوة، والعودة الى ما وراء حدوده الدولية، بل قد تقتصر على إعادة توزيع هذه القوات، او تغيير مواقعها داخل مسرح العمليات على الآراضي اللبنانية، ما لم يقترن النص بتحديد صريح وواضح ودقيق ونهائي لمكان إعادة الإنتشار بتحديد مداه بدقة.
ومن ثّم، فإن إستبدال عبارة الإنسحاب بعبارة إعادة الإنتشار لا يقتصر أختلافه الجوهري على اللفظ فقط كما تقدم، وإنما إختلافاً جوهرياً في نطاق الإلتزام وآثاره القانونية، ويُفسّر لمصلحة الإبقاء على وجود خيارات متعددة غير حاسمة بوضوح، ومتنوعة للقوات العسكرية المحتلة التي يعنيها النص بالشكل الذي ورد فيه.
كما أن هناك أمراً آخر بالغ الأهمية يقرره النص، إذ يصف البند الثاني عشر بأنه لا يكتفي بترتيبات أمنية، وإنما يفرض البدء فوراً بتشكيل فرق عمل لصياغة إتفاق سلام وأمن شامل، وهذا يحسم الجدل حول ما إذا كان الهدف مجرد هدنة او عدم إعتداء، لأن الغاية النهائية هي سلام كامل بين الدولتين وفقاً لمضمون الإتفاق. وهو ما يدفعنا الى التساؤل الجدي دستورياً حول ما إذا كان يجوز للسلطة التنفيذية أن ترتبط بهذه الإلتزامات دون المرور بالإجراءات المفروضة في المادة 52 من الدستور اللبناني الى نهايتها، أي موافقة المجلس النيابي على هذه الإلتزامات المتعلقة بسيادة الدولة على اراضيها حاضراً ومستقبلاً؟
كما لا يمكن وصف هذا الإتفاق إلا بأنه معاهدة دولية نافذة منذ توقيعها بالأحرف الأولية وقبل أن تبرم بدليل ما جاء في البند 12 كما ذكر أعلاه فيما يعود للتنفيذ الفوري وللتأكيد نعود للنص الحرفي للعقد باللغة الأنكليزية حيث جاء فيه حرفياً:
“ Upon the signing of this Framework, the two countries will work to establish working groups to draft the full comprehensive peace and security agreement .Moreover, to achieve the goals of the Framework, the two governments will immediately establish complementary tracks of ongoing direct engagement, facilitated by the united states….”
والترجمة الحرفية لما تقدم هي:
" عند التوقيع على هذا الإطار، ستعمل الدولتان على انشاء مجموعات عمل لصياغة اتفاق السلام والأمن الشامل الكامل. وعلاوةً على ذلك، لتحقيق أهداف الإطار، ستنشىء الحكومتان فوراً مسارات متكاملة للتواصل المباشر المستمر، بواسطة الولايات المتحدة....."
واللافت في هذا البند أنه لو كان إتفاق إطار لما كان نافذاً فور التوقيع وفق مندرجاته ومباشرةً بعد توقيعه من قبل لجان مفوضة بالتوقيع والنفاذ قبل التوقيع عليه وبعد إبرامه من إطرافه المختصين السلطة التنفيذية في كلا البلدين. وهنا يتعين العودة الى التفويض للتحقق من قانونية ما إذا كانت الجهة المفوضة قد أجازت ذلك. مع الإشارة بأنه رشح إعلامياً أن التفويض للفريق اللبناني المفاوض بوجوب العودة إلى مرجعيته ليتم إستكمال قضية الإبرام التي لم تحصل حتى الآن، الأمر الذي يجعل من الإتفاق غير نافذ قانوناً على ما هو عليه الوضع حالياً.
إلا أنه في هذا الصدد يبقى هذا الإتفاق، بصرف النظر عن طبيعته القانونية وتسميته، سواءً كان إتفاق إطار أو معاهدة دولية أو غير ذلك من التسميات، متعارضاً مع أحكام الدستور اللبناني لمخالفته المادة 11 منه للسبب التالي:
- في مخالفة هذا الإتفاق للقوانين النافذة ولا سيما المادة 11 من الدستور اللبناني:
بما أن المادة 11 من الدستور نصت على ما يلي:
" اللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية. أما اللغة الإفرنسية فتحدد الأحوال التي تستعمل بها بموجب قانون"
وبما أن الفقرة الأخيرة من الإتفاق موضوع البحث وكما هو مبين فيها، والصادر بااللغة لإنكليزية ، جاء في نهاية البند 14 فيه أنه
" موقّع في واشنطن دي.سي. في 26 من حزيران 2026 على ثلاث نسخ أصلية، باللغة الإنكليزية،:
Signed at Washington D.C. on the 26th of June 2026 , in three originals, in the English language “
وبما أنه ومن الناحية الشكلية، وقبل الدخول في مضمونه أساساً، يكون هذا الإتفاق غير نافذ او معمولاً فيه شكلاً لمخالفته الدستور لعدم أحترام موقعيه ومنفذيه في آن للدستور اللبناني ولمفهوم المواطنية اللبنانية الحقة التي جاءت لتؤكد في النص الدستوري من أن اللغة الوطنية الرسمية هي اللغة العربية بالتحديد، وبالتالي يعني وفقاً لنص المادة 11 المذكورة أعلاه، أن إستعمال اللغة الإفرنسية أو غيرها قياساً يتعين لإستعمالها واستخدامها صدور قانون بذلك، مما يتعين معه عدم نفاذ هذا الإتفاق في الجمهورية اللبنانية لعدم احترام المادة الدستورية المذكورة وهي قاعدة آمرة.
*- مخالفة هذا الإتفاق لإتفاقية الهدنة العامة المؤرخة في رأس الناقورة بتاريخ 23 آذار لعام 1949 وما سبقها من إتفاقيات، المرتبطة بإتفاق فرنسا وبريطانيا، والذي سمّي إتفاق بوليه- نيوكومب، حيث تم بموجبه ترسيم الحدود الدولية بين لبنان وسوريا من جهة، وفلسطين من جهة ثانية المعمول به إعتباراً من 10 آذار 1923 معطوفة على مخالفة الدستور ولاسيما الفقرة ب من مقدمته:
من اللافت أن الوثيقة المسماة إتفاق الإطار، أغفلت فيها أطرافها أي ذكر لإتفاقية الهدنة العامة بين لبنان و" إسرائيل "، المعقودة في العام 1949. وأن الطرف اللبناني أثناء المفاوضات الحاصلة قي واشنطن والتوقيع على تلك الوثيقة، أهمل إثارة هذه المسألة الهامة قصداً أو سهواً، مع ما لها من أهمية للبنان خاصةً وللقانون الدولي لأنها وثيقة دولية تؤكد ما سبقها من اتفاقيات وتعهدات دولية موثقة حتى قبل إقامة "اسرائيل" او كيانها وفقاً لما سيلي بيانه، من محاضرة للعميد الركن رياض شّيا جاء فيها:
"... إن الأهمية التي تكتسبها الإتفاقية ترجع لأسباب متعددة يندرج أكثرها في كونها صُممت لتكون أداة في يد الأمم المتحدة للإمساك بالوضع الأمني بين لبنان واسرائيل...... سيما وأن الأمم المتحدة هي الطرف الثالث الموقع على الاتفاقية..... وإتفاقية الهدنة هذه هي معاهدة دولية تتمتع بكل المواصفات التي حددها القانون الدولي، وهي تُلزم اسرائيل بإحترام حدود لبنان المعترف بها دولياً. فالمادة الخامسة – الفقرة الأولى من الإتفاقية تنص على أن " خط الهدنة يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين" وهي الحدود التي يمكن العودة بها قانونياً الى تاريخ 23 كانون الاول 1920 عندما قررت دولتا الانتداب فرنسا وبريطانيا ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا من جهة، وفلسطين من جهة ثانية. ففي أوائل حزيران 1921 بدأت لجنة ترسيم الحدود ( المسماة لجنة بوليه – نيوكومب) عملها على الأرض..... وبعد تبادل المذكرات بين فرنسا وبريطانيا، أُبرم إتفاق بوليه – نيوكومب وأصبح الترسيم معمولاً به إبتداءً من 10 آذار 1923، وعلى أثر ذلك أودع الإتفاق عصبة الأمم وأصبح له طابع دولي، وإن القرارات الدولية العديدة المتعلقة بلبنان التي تشير الى حدوده المعترف بها دولياً في الجنوب، إنما تقصد الحدود التي عيّنها إتفاق بوليه- نيو كومب..."
( للتوسع، العودة الى محاضرة للعميد الركن رياض شيا بعنوان " إتفاقية الهدنة اللبنانية- الاسرائيلية لعام 1949: أبعادها- إطارها القانوني، وأهميتها) وبتاريخ 7/11/2020)
يتبين لنا أعلاه أن اتفاقية الهدنة ما هي الإ إتفاق أمني مكرس بتوثيق الحدود الدولية للدولة اللبنانية مع فلسطين منذ أن أصبح الترسيم معمولاً به بينهما، أي منذ تاريخ 10 آذار 1923، وبالتالي إستندت إتفاقية الهدنة العامة المعقودة في رأس الناقورة بين لبنان و"إسرائيل" الى الترسيم الأساسي للحدود الدولية بين لبنان وفلسطين الذي تحاول " إسرائيل التملص منه كما يشير العميد شيا في المرجع أعلاه بقوله:
" ...وبعد توقيع إتفاقية الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية في 23 آذار 1949، أجرت لجنة مراقبة الهدنة اللبنانية-الاسرائيلية المشكّلة سنداً لتلك الإتفاقية ترسيماً جديداً للحدود، هو نفسه ترسيم بوليه-نيوكومب، وإعادة إحياء نقاط الحدود ال 38 ووضعت نقاط ثانوية ووسيطة فيما بينها ليبلغ عددها 143 نقطة، كما تجدر الإشارة الى عملية ترسيم ثالثة جرت بعد الأنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 تطبيقاً للقرارين 425 و426، إلا أن الترسيم كان لما إتفق علي تسميته بالخط الأزرق كخط إنسحاب للقوات الإسرائيلية، وهو لا يعتبر خط الحدود الدولية بل الأقرب إليها، وذلك بسبب إستمرار سيطرة "إسرائيل" لثلاث عشرة نقطة مختلفة المساحة على الحدود تعتبر خرقاً للحدود الدولية. وهكذا، فإن المادة الخامسة هذه التي تضمنتها إتفاقية الهدنة، هي فائقة الأهمية بالنسبة الى لبنان، فهي تضع حداً لأطماع اسرائيل بالأراضي اللبنانية، سيّما وأن اسرائيل لا تزال ترفض تعيين حدودها، ما يؤشر الى طموحاتها الإقليمية. وقد تكون هذه المادة بالذات هي من الأسباب الضمنية التي جعلت إسرائيل تتحيّن الفرص للتملص من موجبات إتفاقية الهدنة وإعلان تخليها عنها .............
إن الأسباب والدواعي التي وفّرت لإتفاقية الهدنة هذه القوة والقدرة على الاستمرار والبقاء كأداة ضابطة للنزاع، رغم تقادمها، عديدة وهذه أهمها:
- الإتفاقية جاءت مندرجة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
- الإتفاقية حظيت بتصديق مجلس الأمن.
- الإتفاقية أسست هيئة دولية لمراقبة الهدنة لا تزال تعمل الى اليوم.
- إن الإتفاقية كانت محايدة ووفرت عدة ضمانات للفريقين.........
فقد نصّت على انشاء لجنة دائمة لمراقبة الهدنة تتبع للأمم المتحدة هي "اللجنة الاسرائيلية-اللبنانية لمراقبة الهدنة " The Israeli- Lebanese Mixed Armistice Commission
( ILMAC) ، مهمتها الإشراف على تنفيذ الهدنة ومراقبتها، ويرأسها رئيس أركان هيئة الهدنة التابعة للأمم التحدة ال UNTSO أو أحد كبار الضباط من هيئة المراقبين. وهذه اللجنة لا تزال قائمة منذ العام 1949 حتى اليوم، وهي تعمل حالياًً في إطار قوات الطوارىء الدولية العاملة في الجنوب" .الأمر الذي يوجب معه التطرق تفصيلاً لمناقشة النقاط القانونية التالية فيما يعود لهذه المسألة المتعلقة بإتفاقية الهدنة هذه بالمقارنة مع الإتفاق الإطار وفقاً لما سيلي بيانه:
*- الوضع القانوني لإتفاقية الهدنة للعام 1949:
اتفاقية الهدنة العامة اللبنانية-الاسرائيلية هذه، هي معاهدة دولية بالمعنى الدقيق للكلمة، من حيث أنها مسجلة لدى الأمم المتحدة، ومنبثقة عن قرارات خاضعة للجنة الهدنة المختلطة المشار اليها اعلاه Mixed Armistice Commission ( MAC) ، وقرارات مجلس الأمن ( بما فيها القرار رقم 73 لعام 1949)، وأنشأت لجنة الهدنة المختلطة . كما أن لها بالإضافة الى ما تقدم، خصوصية قانونية جوهرية وهامة وحاسمة من أنها لا تقبل الإلغاء الأحادي، ذلك أن هذا النوع من اتفاقيات الهدنة التابعة للأمم المتحدة
United Nations Truce Supervision organization(UNTSO)
ومنها الهدنة لعام 1949 ( مصر، الأردن، سوريا، لبنان) صيغ بشكل يبقى نافذاً " الى حين التوصل ألى تسوية سلمية" ولا يجوز نقضه إلا بموافقة الطرفين أو عبر آلية المراجعة المنصوص عليها فيه، وليس بإرادة منفردة أو بفعل الواقع، وبالتالي لا يمكن لإطرافه العودة عنه إلا وفقاً لما تضمنته بنوده.
وبما أنه من الناحية العملية لم تُبرم بين لبنان و " إسرائيل" أي معاهدة سلام لاحقة حتى تاريخه، تحل محل هذه الهدنة. كما أنه لم يصدر أي إعلان رسمي مشترك بإنهائها وفقاً للأصول المتفق عليها، كما أن قرارات مجلس الأمن اللاحقة ( 425 لعام 1978، 1701 لعام 2006) لم تُلغِ هذا الإتفاق، بل أتت للمزيد من التأكيد على مرجعية خط الهدنة كأساس لترسيم الخط الأزرق وأعمال اليونيفيل بهذا الأمر وهو ما تؤكده المادة 59 من قانون إتفاقية فيينا للمعاهدات، التي لم يوقع عليها لبنان وغيره من الدول. إلا أنها وكونها من المراجع الأساسية في العودة الى القانون الدولي أصبحت عرفاً يؤخذ به وقرينة على الكافة، مما يؤدي ويعني بكل وضوح، أن هذه الهدنة من الناحية القانونية، وعلى الأقل شكلاً ، لا تزال سارية المفعول ومعمول بها قانوناً. وهي ليست مجرد معاهدة ثنائية معزولة، فهي مرتبطة عضوياً بقرار مجلس الأمن رقم 73 الصادر عام 1949، والذي أنشأ آلية إشرافها، وأُعاد تكريس مرجعيتها ضمنياً عبر القرارين 425 الصادر عام 1978 وال 1701 الصادر عام 2006، مما يدل على ان هذا الإرتباط يمنحها انتساباً الى منظومة الميثاق ، وبالتالي تستفيد – في حدود ما تجّسده من التزامات ذات طابع أممي ( وقف الاعمال العدائية، مرجعية الترسيم، آلية الإشراف الدولي)، بالإضافة الى ما سبقها من معاهدات ولا سيما تلك الصادرة عام 1923 المنوّه عنها في هذه الدراسة من مظلة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة والتي تقرر فيها أن الإلتزامات الناشئة عن الميثاق تعلو عن أي إلتزام تعاهدي آخر متعارض معها. وهنا يثار التساؤل من أنه هل يمكن بالمقارنة ان يستمد الإتفاق الإطار موضوع بحثنا، علوية على اتفاقية الهدنة العامة لعام 1949 والجواب هو العكس، أي أن لإتفاقية الهدنة العامة سبق التدرج في القاعدة القانونية والعلو تدرجاً لأن هذه الأخيرة مصانة بالمادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة، ولا يصل الإتفاق الإطار غير المنجز وغيرالموّثق الى مصافها او التعارض مع احكامها حتى تاريخه من وجهة التراتبية القانونية.
*- الوضع القانوني لإتفاق الإطار: بصرف النظر عما اذا كان هذا الاتفاق معاهدة دولية أم أنه إتفاق إطار بالفعل.
وبما أنه من حيث المبدأ، وحتى تاريخه أيضاً، لم يصدر من مجلس الأمن أي قرار يُقِرّه أو يدرجه ضمن منظومة الميثاق ( كما جرى تاريخياً وقانونياً مع إتفاقياتٍ أخرى أُحيلت الى مجلس الأمن لإقرارها أو الإحاطة بها رسمياً على الأقل ، بالإضافة الى أنه لم يتسم بالإبرام ليصبح نافذاً قانوناً. وهو بذلك يبقى ، من زاوية التدرج الرأسي، لم يكتسب بعد أية علوية معيارية تجيز له تخطي الإتفاقية العامة للهدنة أو تحل محلها). ولم يكتسب أصلاً صفة الانفاذ قانوناً. ومن البديهي إذن القول أن من يصفه بأنه ليس معاهدة، فإنه في جميع الحالات يستوجب القول أنه لا يرتقي شكلاً الى أنه تدبير نافذ ويمكن العمل بمضمونه حتى، لا داخلياً ولا خارجياً للأسباب التالية تأكيداً:
- بدايةً، هو غير معمول به ، وبالتالي غير ساري المفعول، بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 2 تاريخ 25/6/2026، أي قبل توقيعه في واشنطن بيوم واحد، لأن التفويض الممنوح للمفاوض اللبناني من قبل فخامة رئيس الجمهورية، وفقاً لما ورد في الإعلام
( IMLLebanon) من أنه:
" يكشف محضر مجلس الوزراء رقم 65 بقراره رقم 2 لسنة 2026، أن المجلس أخذ علماً بالتفويض المعطى من قبل رئيس الجمهورية، بالإتفاق مع رئيس مجلس الوزراء الى الوفد المفاوض في واشنطن، وخاصةً إجراء ما يلزم للتوصل الى النتيجة المرجوة، وذلك تحت إشرافهما "
ومع أنه كان تفويضاً للتفاوض وبإجراء ما يلزم، إلآ أنه كان مقروناً بعبارة تحفظ صريحة وواضحة واردة في نص القرار ذاته من أن أي إتفاق قد ينتج عن هذه المفاوضات يخضع إبرامه لموافقة رئيس الجمهورية على الأقل ومن ثُم مجلس الوزراء بحسب المادة 52 من الدستور. وعليه فلا مفاعيل قانونية له قبل إبرامه للتمكن من إعمال بنوده تجاه اطرافه، لأن التوقيع المعلّق على شرط لا يعني إلا أنه توقيع معلق Pending signature . لأن التفويض الحاصل الذي أجاز التوقيع علّق سريانه على موافقة مجلس الوزراء، مما يعني أنه ليس توقيعاً نهائياً منتجاً لآثاره فوراً، لوجوب إستتباعه بإجراءات لاحقة، فلا تسري فعالية هذا التوقيع إلا بإستكمال شروطه القانونية، الأمر غير الحاصل في الوثيقة موضوع البحث.
وبما أنه ينتج عن ذلك أن هذا الإتفاق، وإستناداً الى ما تقدم، لم تكتمل أركان إنعقاده أصلاً، لأن ربط تفويض المفوضين بالتوقيع عن الدولة اللبنانية يسري مفعوله قانوناً، عند تحقق موافقة رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. بمعنى آخر أن أي إتفاق ينتج عن هذه المفاوضات، ليس مجرد عبارة إجرائية، بل هو من أخطر القيود القانونية التي يمكن أن ترد في قرار التفويض، لا لأنه يرتّب آثاراً واقعية ودستورية ودولية بالغة الأهمية، بل لأن الركن الأخير المُشترط دستورياً وإدارياً – وهو تصديق مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين - لم يتحقق حتى تاريخه، الأمر الذي يعني معه نفي إمكانية وجوده القانوني لعدم إكتمال شروط تحققه وسريانه وفقاً للأصول، فهو كما يقال فلسفياً، حالة موجودة بالقوة وليس بالفعل
A condition that exists potentially but not actually
وبالتالي ينتج عنها ما يلي:
- أ- النتيجة الدستورية: بأن ألإعتراف بأن التوقيع ليس إبراماً:
فعندما يتضمن قرار مجلس الوزراء أن أي إتفاق ينتج عن هذه المفاوضات يخضع إبرامه لموافقة مجلس الوزراء بحسب المادة 52 من الدستور . فإن ذلك يعني أن الحكومة أقرّت بنفسها أن التوقيع لا ينشىء الإتفاق النهائي. وقد لا يكفي إبرامه، وأنه يبقى مجرد عمل تمهيدي الى أن يصدر قرار جديد بالموافقة عليه وفق المادة 52 من الدستور، خاصةً في حال استوجب عرضه على مجلس النواب، وهذا يعني دستورياً أن التوقيع:
- لا ينتج نفاذا داخلياً .
- لا ينقل الاتفاق الى مرحلة الابرام.
- ولا يولّد إلتزاماً دستورياً منجزاً ونافذاً على الدولة اللبنانية.
وإنما يبقى في مرحلة المشروع الموقع، وهو ما يبقي المسألة من الناحية النظرية فقط ضمن مرحلة هذا المشروع الموقّع Signed draft agreement ، وهنا لا بد من الإشارة الى أنه في هذه الحالة موجود شكلياً لا في الأساس، وبصرف النظر عن محتواه او مضمونه الخطير مهما كان يبقى من صلاحية رئيس الجمهورية الدستورية. طالما أنه ما زال مشروعاً وإن تمّ توقيعه بالأحرف الأولى على ما فيه من مضمون. وطالما لا يتسّم بالنفاذ إلا بعد إبرامه، واستكمال شروط نفاذه.
- ب- النتيجة الواقعية: سقوط فكرة أن التوقيع ألزم لبنان نهائياً:
فإن قيل لبنان قد وقّع وبالتالي الإتفاق أصبح ملزماً، فالرد على ذلك أن شرط الإبرام يُسقط هذه الحجة ويهدمها. ذلك أن السلطة التي أذِنت بالتوقيع كانت قد قررت في الوقت نفسه بأن هذا التوقيع لا يكفي بإعتباره معلق على شرط الإبرام، وبالتالي لا يمكن الإحتجاج بأن لبنان أصبح ملتزماً نهائياً بمجرد هذا التوقيع، لأن السلطة المختصة نفسها التي أصدرت التفويض علّقت هذا الأثر على موافقة تلي هذا التوقيع الذي لا يصبح ناجزاً ومتسماً بالنفاذ القانوني إلا بالإبرام اللاحق الذي لم يحصل بعد حتى تاريخه.
- ج- النتيجة القانونية: نشؤ شرط موقف ( Condition suspensive ) :
مما يعني أن هذا الشرط الواقف او الموقف يعطي للتوقيع صفة:
- أنه قد وقع فعلاً.
- لكن آثاره القانونية موقوفة وغير معمول بها حتى تتسم بالنفاذ بإكتمال إجراءاتها.
- أنها لا تتحقق إلا إذا تحقق الشرط الموقف لهذه الآثار.
- وهذ الشرط هو صدور موافقة مجلس الوزراء على الأقل بإبرامه. فإذا لم تتحقق هذه الموافقة فإن الإبرام غير حاصل وينتج عن ذلك أن الإتفاق الحاصل غير موجود قانوناً أصلاً، لأنه بقي مشروعاً غير مكتملة عناصره وأركانه.
- د – النتيجة المتعلقة بالتفويض نفسه:
1- بما أنه ثابت أن وقائع التفاوض والتوقيع فعلياً، قامت بها سفيرة لبنان في واشنطن السيدة ندى حمادة معوض، الى جانب السفير الإسرائيلي في واشنطن أيضاً، بحضور وزير الخارجية الأميركي.
وبما أن من يملك صفة التمثيل بحكم وظيفته او منصبه ) Ex officio ) تلقائياً ودون حاجة لوثيقة تفويض وفقاً للمادة 7 من قانون إتفاقية فيينا للمعاهدات ثلاث فئات فقط هم:
*- رئيس الدولة، رئيس الحكومة، ووزير الخارجية، لهم صفة تمثيل الدولة في جميع الأعمال المتعلقة بإبرام المعاهدة ( تفاوضاً، وإعتماداً للنص، وتعبيراً نهائياً عن الرضا بالإلتزام) دون حاجة لأي وثيقة تفويض.
*- رؤوساء البعثات الدبلوماسية الذين لهم صفة التمثيل التلقائي، إنما فقط في إعتماد نص المعاهدة، او بمعنى آخر (المصادقة على صيغة النص النهائية بالتوقيع بالأحرف الأولى)، وتحديداً فقط في المعاهدات بين دولتهم المرسلة والدولة المعتمدين لديها.
وبما أن السفيرة ندى حمادة معوض هي سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة الاميركية، وليست معتمدة لدى " إسرائيل" ( حيث لا توجد علاقات دبلوماسية أصلا بين لبنان
و " إسرائيل").
وبما أن الإتفاق هو بين لبنان وإسرائيل. أما الولايات المتحدة الأميركية هي في الإتفاق راعية أو وسيط لا طرفاً أصيلاً في الإلتزامات المتبادلة،
لذلك تكون صفة السيدة حمادة معوض كسفيرة بموجب المادة 7 اعلاه/ فقرتها الثانية، لا تغطي اصلاً التوقيع على معاهدة مع دولة ليست معتمدة لديها . أي أن توقيعها لا يستمد شرعيته من مجرد منصبها كسفيرة، بل يستوجب حكماً وثيقة تفويض كامل الصلاحية Full powers) ) صريحة صادرة عن الجهة المختصة دستورياً، تخوّلها تحديداً توقيع هذا الإتفاق بالذات.
2 – هل يمكن " تجيير " رضا الرئيس لتوقيع السفيرة ؟
والجواب نعم، ولكن ضمن حدود دقيقة وضيقة، وهو ما تنظّمه الفقرة ( أ ) من المادة 7 من إتفاقية فيينا للمعاهدات، بحيث يجاز بموجبها لرئيس الجمهورية قانوناً أن يُفوّض أي شخص، ( بمن فيهم سفير)، بالتوقيع نيابةً عن الدولة، شرط أن يبرز " وثيقة تفويض مناسبة Full powers صادرة عن السلطة المختصة. وهنا لا يكون التفويض تفويضاً بالإختصاص الدستوري ( بنقل صلاحية إتخاذ قرار ) بل هو آلية نيابة تمثيل إجرائي Représentation ، لإداء فعل مادي محدد(توقيع) نيابةً عن من يملك القرار فعلياً . والفارق هنا دقيق وجوهري من أنه:
*- يجوز تفويض فعل التوقيع بوثيقة صريحة محددة الغرض.
*- لا يجوز تفويض الإختصاص الدستوري بإبرام المعاهدة نهائياً، لأن هذا الإختصاص محدد حصراً بالمادة 52 من الدستوراللبناني ( رئيس الجمهورية اللبنانية بالإتفاق مع رئيس الحكومة وموافقة مجلس الوزراء لإنبرام المعاهدة، ثم مجلس النواب في الحالات المحددة في المادة 52 المشار اليها وفي الدستور لا يوجد نص يجيز التفويض بالصلاحية الدستورية،
3- ماذا لو وقّعت السفيرة حمادة معوض دون تفويض كامل الصلاحية أو بتفويض ناقص على الإتفاق ؟
من العودة الى الدستور اللبناني تبيّن لنا أنه لا يمكن تفويض الصلاحية الدستورية الا وفقاً للأصول القانونية، ومن أنه لا يمكن أن يعطي التدبير مفاعيله القانونية إلا من خلال من حددهم الدستور دون غيرهم.
يتبين من المعطيات التي توصلنا اليها أن الوفد اللبناني المكلف بالمفاوضة لم يمنح تفويضاً مطلقاً، بل مُنح تفويضاً بالتفاوض، ثم بالتوقيع، دون أن يمنح صلاحية إلزام الدولة نهائياً. وهذا الفارق بالغ الأهمية. فالمفاوض اللبناني المكلف بالتوقيع كان يملك صلاحية المفاوضة والتوقيع، دون سلطة إنشاء الإلتزام النهائي بإسم الدولة اللبنانية، حيث بقيت هذه السلطة حصراً بيد مجلس الوزراء وفقاً لما حدده الدستور في المادة 52 منه.
اما فيما يعود للقانون الدولي، فمن العودة الى المادة 8 من اتفاقية فيينا نجد أنها أوجبت، وبنص صريح، أن يكون العمل المتعلق بإبرام معاهدة، والذي يقوم به شخص لا يجوز إعتباره بموجب المادة 7 مخوّلاً تمثيل الدولة لهذا الغرض، بلا أثر قانوني، ما لم تؤكده تلك الدولة لاحقاً.
وهذا يعني أن التوقيع الذي قامت به السفيرة حمادة معوض، إن لم يستند الى تفويض كامل وصحيح قانوناً ، لا يعتبر باطلاً نهائياً وتلقائياً وإنما يعتبر معلّق الأثر، بمعنى آخر بلا أثر قانوني الى حين التأكيد اللاحق، والنتيجة العملية لهذا هي أن لبنان ( عبر سلطته الدستورية المختصة، رئيس الجمهورية بالإتفاق مع رئيس الوزراء، ثم بعد ذلك مجلس الوزراء) يملكون خياراً مزدوجاً:
*- إما تأكيد او تثبيت ما التزمت به ووقعت عليه السفيرة ( عبر قرار بالموافقة عليه من مجلس الوزراء(، ومن ثم المجلس النيابي إذا إقتضى الأمر، فينعقد الإلتزام بأثر رجعي منذ لحظة حصول التوقيع
*- أو الإمتناع عن التأكيد، فيبقى التوقيع بلا أثر قانوني ملزم للدولة اللبنانية للسير به، رغم وقوعه فعلياً وحضوره الإعلامي.
والخلاصة القانونية إذن في مسألة التفويض، من أنه لا مانع قانوني يحول من أن توقّع السفيرة نيابةً عن الدولة، شرط وجود وثيقة تفويض تعطيها كامل الصلاحية بذلك، صادرة عن رئيس الجمهورية) بالإتفاق مع رئيس الحكومة، عملاً بالمادة 52 من الدستور) ومحددة الغرض والنطاق بدقة (هل هي مخوّلة بإعتماد النص، أم بالتعبيرعن الرضا النهائي بالإلتزام أم لا، أم بالتوقيع فقط عن رئيس الجمهورية ؟).
*- توقيعها بصفتها سفيرة معتمدة لدى واشنطن لا يكفي بذاته ( وكما تبين لنا سابقاً) لتغطية توقيع إتفاق مع " إسرائيل " ( لكونها غير معتمدة لديها) خلافاً كما لو كان الإتفاق ثنائياً لبنانياً أميركياً محضاً دون دخول طرف ثالث.
*- حتى مع وجود تفويض صحيح للتوقيع، فإن الإبرام النهائي المُلزم دستورياً للدولة اللبنانية يبقى معلقاً على استكمال مسار المادة 52 ( مجلس الوزراء، ومجلس النواب، لكون الموضوع أمنياً غير قابل للفسخ سنوياً ويطال السيادة الداخلية والسيادة الخارجية للكيان اللبناني) وهذا مسار لا يُغني عنه توقيع السفيرة مهما كانت وثيقة تفويضها صحيحة، لأن إختصاص "الإبرام" ( كقرار نهائي )، او المصادقة او الموافقة للمجلس النيابي، يبقى بيد هذه الهيئات المحددة دستورياً ولا يُستنفد مفاعيله بمجرد فعل التوقيع الشكلي.
*- لتحديد ما إذا كان توقيعها اليوم " نافذاً معلقاً على التأكيد" او
" باطلاً بدون أثر" ، يلزم فعلياً التحقق من : هل صدرت وثيقة تفويض كامل صلاحية رسمية بإسم الرئيس قبل التوقيع؟ وهل نص الإتفاق نفسه على أنه خاضع لمصادقة لاحقة Subject to ratification أم اعتبر نفسه نافذاً بمجرد التوقيع ( إذ أن هذه التفاصيل تفترض الاطلاع على نص التفويض ذاته إن وُجِد، لا الإكتفاء بالتغطية الإعلامية لمراسم التوقيع )
- هاء- النتيجة في القانون الدولي:
حتى لو إعتبر الطرف الآخر أن التوقيع يحمل أثراً دولياً، فإن لبنان لا ينكر توقيعه ولكن له أن يتمسك بأن المفوضين منه كانوا أصحاب صلاحية مقيدة. وهذا القيد كان مقرراً بقرار رسمي صادر عن السلطة المختصة، وأن اطراف الاتفاق المشاركين في العملية كانوا يعلمون أن الإتفاق معلّق على موافقة مجلس الوزراء، ومن ثم يصعب القول أن الدولة تنازلت نهائياً عن حقها الدستوري بمجرد حصول التوقيع.
ينتج عن كل ما تقدم القول أن قرار رئيس الجمهورية بمسألة التفويض، وهو رأس السلطة التنفيذية عملياًً، لم يكن مجرد تفويض بالتوقيع، بل كان في الوقت ذاته قراراً بتقييد الأثر القانوني لهذا التوقيع، والذي يعتبر عملاً إجرائياً ناقص الأثر، لأن السلطة التي سمحت به وأجازته، سواءً إشترطت صراحةً الا ينتج أثر الإبرام إلا بعد موافقة لاحقة من هذه السلطة ، او لم تشترط ذلك في التفويض، فإن استكماله وفقاً لما نص عليه الدستور هو أمر طبيعي ومعلوم لدى كل الفرقاء بأن لا يسري أي نص قانوناً إلا باستكمال متطلباته القانونية وفقاً للأصول.
- كما أنه ثبُت لدينا أعلاه أن الإتفاقية العامة للهدنة للعام 1949 بين لبنان و"اسرائيل" هي الأساس المتواصل من عام 1923 لترسيم الحدود الدولية مروراً بتلك المعاهدة الاتفاقية، التي جاء في البند /4/ من المادة الثامنة منها :
" إذا لم يسفر....... عن حل متفق عليه لنقطة مختلف عليها، جاز لأيٍ من الفريقين أن يرفع الأمر الى مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة طلباً للحل المنشود على أساس أن هذا الاتفاق إنما عقد إستجابةً لقرار مجلس الأمن في إقرار السلم في فلسطين "
وهذا الإقرار بالتالي الذي يربط اتفاقية الهدنة بمواثيق الأمم المتحدة، يشير الى ان أي مخالفة لذلك تعني مخالفة الفقرة "ب" من الدستور التي نصّت على ما يأتي:
" لبنان عربي الهوى والإنتماء ، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها ، وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتجسّد الدولة هذه المبادىء في جميع الحقول والمجالات دون إستثناء"
وبالتالي لا يستطيع لبنان مخالفة هذا النص الدستوري بإعتماد إتفاقية غير منجزة أصولاً على حساب نص معترف به دولياً وموثّق لدى الأمم المتحدة، ومحدد في مقدمة الدستور اللبناني والتي تعتبر جزأً لا يتجزأ منه..
يضاف الى ما تقدم ان هناك حجة أو دليل أقوى أساساً من مجرد وصف الإتفاق بأنه " معاهدة" " ، وهي أن السلطة التنفيذية لا تستطيع، بمجرد إطلاق تسمية " إتفاق إطار " أن تتجاوز الضمانة الدستورية المتمثلة برقابة السلطة التشريعية إذا كان المضمون الحقيقي للإتفاق يُنشىء إلتزامات دولية ملزمة ( وما سمّي الإتفاق الاطار، هو كذلك، إذ أنه يقرر التزامات فورية إعتباراً من تاريخ توقيعه). فالقضاء الدستوري والمقارن ينظر كلً منهم الى المضمون(Substance) لا الى العنوان (Title) وهذا مبدأ راسخ في القانون الدولي أيضاً، الأمر الذي يحول دون سريانه قانوناً، لعدم إكتمال أركانه القانونية أصولاً.
- في مخالفة الإتفاق الموقع في واشنطن في 26 حزيران 2026 لمضمون المادة الاولى من اتفاقية الهدنة العامة لعام 1949:
جاء في البند /2/ من المادة الأولى من الاتفاقية المذكورة ما يلي:
" لا يجوز للقوات المسلحة البرية او البحرية او الجوية لأيٍ من الفريقين القيام بأي عمل عدواني او التخطيط لها او التهديد به ضد شعب الفريق الآخر او قواته المسلحة .."
كما نص البند/3/ من ذات المادة على ما يلي:
" يُحترم إحتراماً تاماً حق كل من الفريقين في أمنه وإطمئنانه الى عدم الهجوم عليه من جانب القوات المسلحة التابعة للفريق الآخر".
وبما أن لبنان إلتزم كلياً بالإحترام والتقيد بكافة مواد وبنود هذه المعاهدة العامة الدولية،
وبما أن " إسرائيل " أنكرت وخرقت هذه المعاهدة وغيرها من القرارات الدولية مرات عديدة وانتهكت وما زالت مغتصبة لبعض الأراضي اللبنانية الدولية المحددة دولياً منذ العام 1923 كما تبين لنا اعلاه، وكما هو واقع على الأرض،
وبما أن على لبنان إتخاذ الخطوات اللازمة من أجل عدم تكريس هذه الإعتداءات كأمر واقع او معترف فيه،
تأسيساً على ما تقدم، نعود لنؤكد أن الاتفاق الموقع في واشنطن بتاريخ 26 حزيران 2026 بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة الأميركية وتدخلها بالتنفيذ والمراقبة، يثير إشكالية قانونية دقيقة تتجاوز الجدل السياسي الذي رافق الإعلان عنه. فلا تنحصر المسألة في تقييم مضمون الإتفاق أو ملائمته فقط، وإنما تتمثل، بالنسبة للبنان، في تحديد طبيعته القانونية، لأن هذا التحديد هو الذي يرسم النظام القانوني الواجب تطبيقه عليه، سواءً في إطار القانون الدولي العام أو في إطار القانون الدستوري اللبناني والقوانين الداخلية في لبنان، وخاصةً لجهة إنتهاك " اسرائيل" القرارات الدولية بهذا الشأن ومنها على سبيل المثال لا الحصر إتفاقية الهدنة العامة للعام 1949 وما سبقها من إتفاقات موّثقة لدى الأمم المتحدة ومعمولٌ بها.
فإذا كان الإتفاق لا يعدو كونه إعلاناً سياسياً (Political declaration ) أو إتفاق إطار(Framework) فلا ينشىء من حيث المبدأ إلتزامات قانونية ملزمة، فإبرامه يبقى داخل السلطة التقديرية للسلطة الإجرائية، ولا يثير بالضرورة مسألة إخضاعه للإجراءات الدستورية الخاصة بالمعاهدات الدولية، التي توجب حينها تدخل السلطة التشريعية للمصادقة على إمكانية وضعه قيد إمكانية سريان التنفيذ بعد إستكمال متطلباته القانونية ونشره أصولاً للعمل به.
أما إذا كان في حقيقته ومضمونه، يرتّب حقوقاً والتزامات قانونية مباشرة، ويضع آليات تنفيذ ورقابة، ويؤثر في ممارسة الدولة إختصاصاتها السيادية، فإن وصفه بأنه "إتفاق إطار" لا يكفي وحده لنفي صفته القانونية كمعاهدة دولية. لأن العبرة في القانون ليست بالألفاظ كما تبين لنا، وإنما بالحقائق القانونية والواقعات التي تنشئها التصرفات، وما ينتج عنها من آثار تُخرِجه من إطار إعلان النوايا لإرتباطها بتنفيذٍ عملي ينعكس مبدئياً على السيادة الوطنية الداخلية والخارجية على السواء حيث الأولى( شؤونها الداخلية) وهي التي تعني سلطة الدولة على إقليمها وشعبها، بحيث تكون هي وحدها صاحبة القرار الأعلى والأوحد، في تنظيم شؤونها الداخلية هذه، دون منازعٍ او رقيب وتتضمن:
- سن القوانين وتطبيقها على جميع من يوجد على إقليمها.
- إحتكار إستخدام القوة الشرعية( عبر قواتها المسلحة النظامية)
- تنظيم السلطات ( تشريعية، تنفيذية، قضائية) وممارسة صلاحياتها كاملةُ.
- عدم خضوع الدولة اللبنانية، لأي سلطة داخلية من سلطاتها أو منافسة لها. والاتفاق الحاصل خرق وانتهك لكل ذلك
أما الثانية فتعني( شؤونها الخارجية) المتعلقة بحدودها الدولية وكيانها السياسي وأمنها الجغرافي الإستراتيجي، والتي تعني إستقلال الدولة عن أية سلطة خارجية ، وعدم خضوعها لدولة أخرى أو جهة أجنبية في إتخاذ قراراتها المتضمنة:
- حرية الدولة في إدارة علاقاتها الدولية( توقيع المعاهدات، إقامة العلاقات الدبلوماسية)
- المساواة القانونية مع باقي الدول في النظام الدولي.
- حق الدولة في الدفاع عن نفسها وحماية حدودها.
- عدم التدخل في شؤونها الداخلية.
والجدير بالذكر، الإشارة هنا الى أن السيادتان مترابطتان، فالسيادة الداخلية تُعبر عن تفوق سلطة الدولة داخل حدودها، وهي بالإتفاق والواقع منتهكة بالإحتلال. بينما السيادة الخارجية تُعبر عن إستقلالها وتساويها مع الدول الأخرى خارجياً. مع الإشارة هنا الى أن ضعف إحداها غالباً ما يؤثر سلباُ على الأخرى، فدولة تفتقر للسيطرة الداخلية على إقليمها قد تجد سياستها الخارجية مهددة أيضا (كالتدخل الأجنبي بحجة عدم الإستقرار، وبالأحرى حالتنا الحاضرة)
وعلى أساس ما تقدم ينهض السؤال عن ما إذا كان أطراف الإتفاق يملكون، بمجرد إختيار تسمية معينة له، أن يغيروا من طبيعته القانونية ؟
والجواب أن هذا السؤال ليس جديداً في القانون الدولي بل يكاد يكون من المسائل المستقرة فيه نتائج الإجابة على هذا السؤال، وفقاً لما سيلي بيانه بهذا الشأن:
مبدأ إستقلال التكييف القانوني عن التسمية:
إستقر القانون الدولي منذ زمنٍ بعيد على أن التكييف القانوني (Qualification juridique) لا يتوقف على الإسم الذي يختاره أطراف الإتفاق كما تم بيانه، وإنما يتحدد بطبيعة الإلتزامات التي يُنشئها. وقد كرّست إتفاقية قانون فيينا للمعاهدات لعام 1969 ذلك عندما نصّت الفقرة الأولى من المادة الثانية منها على ما يأتي:
“ Treaty means an international agreement between states in written form and governed by international law, whether embodied in a single instrument or in two ore more related instruments and whatever its particular designation “
وتعني حرفياً بالعربية:" يقصد بالمعاهدة إتفاق دولي معقود كتابةً بين دول ويخضع للقانون الدولي، سواءً ورد في وثيقة واحدة أو في وثيقتين أو أكثر مترابطة، وأياً كانت التسمية التي تطلق عليه "
ومن النص المشار إليه يتبين لنا أن مفتاح الحل لحسم القضية في مسألة التسمية هي العبارة الواردة في الفقرة الأولى من المادة 2 أعلاه من الاتفاقية ( القانون) وهي:
Whatever its particular designation
والتي تعني، وبما أنها قاعدة آمرة ( Jus Cogens ) من قواعد القانون الدولي، أن واضعي هذه الإتفاقية الدولية التي ترعى أوضاع جميع الإتفاقيات والمعاهدات الدولية في العالم أجمع، أرادوا منذ البداية قطع الطريق على أي محاولة للقول بأن الوثيقة لا تعّد معاهدة لمجرد تحميلها إسماً آخراً. مما يعني أن القانون الدولي لا يعرف قاعدة مؤداها أن " كل إتفاق إطار ليس معاهدة" . كما لا يعرف أيضاً قاعدة معاكسة مؤداها أن " كل إتفاق إطار هو معاهدة " بل يعتمد معياراً مختلفاً تماماً هو مضمون الإتفاق وآثاره القانونية.
-إذا كان القانون الدولي حدد مفهوم الوثيقة الدولية وفقاً لما ورد أعلاه، فما هو موقف الفقه الدولي:
من الضروري هنا القول بدايةً، أنه في مجال القانون العام والدولي هناك مبدأ معروف مفاده ان التكييف القانوني للتصرف يتحدد بطبيعته وآثاره القانونية، لا بالوصف او التسمية التي يسبغها عليه اطرافه
La qualification d’un acte dépend de sa nature juridique et de ses effets, non de la dénomination que lui donnent les parties
ومن العودة الى الفقه الدولي نجد أن هناك العديد من التعريفات التي تصب في خانة التوافق وصحة ما قرره القانون الدولي في هذا الصدد والتي تؤكد أن مضمون الإتفاق وآثاره القانونية هما المعيار الأساسي لتصنيف الإتفاق وليس الإسم. حيث يقول الفقيه الفرنسي الكبير Paul Reuter أنه ليست تسمية التصرف هي التي تحدد طبيعته القانونية، وإنما مضمونه والإلتزامات التي ينشئها
Ce n’est pas la dénomination de l’acte qui détermine sa nature juridique, mais son contenu et obligation qu’il crée
فيكون التعريف الفقهي أعلاه مطابقاً لما حددته المادة الثانية من اتفاقية قانون فيينا للمعاهدات.
ولم يقتصر الأمر على الفقيه Reuter فقط، حيث نجد أن الفقيه البريطاني Ian Brownlie ، يُشير أيضاً الى أن الطبيعة القانونية للوثيقة الدولية تعتمد على نية الأطراف في إنشاء إلتزامات قانونية، وعلى مضمون الإلتزامات التي قبلوا بها
The legal character of an international instrument depends upon the intention of the parties and the substance of the obligations assumed
ولا بد هنا من التطرق الى ما أضافه في هذا الصدد الفقيهAnthony AUST ، الذي شارك في صياغة العديد من المعاهدات البريطانية من أن أوصافاً مثل مذكرة تفاهم أو إتفاق إطار أو ترتيب ليست حاسمة.والسؤال الحاسم هو ما إذا كانت الدول قد قصدت إنشاء إلتزامات قانونية تخضع للقانون الدولي
Labels such as Memorandum of understanding, Framework, Agreement or arrangement are not decisive. The decisive question is whether the parties intended to create legal obligations under international law
إذن هناك قاعدة دولية مستقرة قانوناً وفقهاً وإجتهاداً مؤداها أنه " لا يجوز الإستناد الى عنوان الوثيقة وحده لنفي صفة المعاهدة عنها " فيبطل قياساً الزعم الذي يصف الوثيقة الموقعة في واشنطن موضوع البحث أنها إتفاق إطار، كما تم وصفها خلافاً لما قرره القانون والفقه الدوليين
كما أنه من العودة الى البنود الأربعة عشر يتبين أن الاتفاق لا يقوم على أساس مبدأ التبادل الفوري للإلتزامات فقط، بل يقوم على ما يسميه الفقه الدولي الإلتزامات المتعاقبة Sequential Obligations . والوصف الأدق والصحيح للحالة هذه، أنه تنفيذ إبتدائي يقع على عاتق طرف واحد One-side initial performance
فلبنان لا يلتزم فقط قبل غيره، بل عليه التنفيذ بدايةً قبل غيره، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة التأكد من التحقق لما أنجزه، ومن قِبَل ورقابة غيره، عن صحة قيامه بموجباته، وإنجازه لفروضه ( Homework ) عندها، أو بالأحرى بعد ذلك، يبدأ او ينتقل الدور للطرف الآخر، وهو ما يسمى بالعلم القانوني، إختلال التزامن بين الإلتزامات الدولية وأثره في التكييف القانوني للإتفاق. مما يوجب معه القول بصورةٍ موجزة تعليقاً على ذلك ما يلي:
إن ما يميّز المعاهدة عن الإتفاق السياسي ليس مقدار ما تمنحه أو ما تأخذه لصالح هذا الطرف أو ذاك من اطرافها، وإنما كونها تنشىء إلتزاماً قانونياً قابلاً للتنفيذ والرقابة. فإذا بدأ أحد الأطراف بتنفيذ إلتزاماته الدولية فور إبرام الوثيقة، وأصبح تنفيذ الطرف الآخر معلقاً على التحقق من هذا التنفيذ، فإن الوثيقة تكون قد تجاوزت نطاق إعلان المبادىء، ودخلت في دائرة الإلتزام القانوني الدولي، مهما كانت التسمية التي أُطلقت عليها.
- الأدلة القانونية والفقهية والإجتهادية على أن الإتفاق يُعّد معاهدة دولية:
- المعيار القانوني في إتفاقية فيينا: كنا قد أشرنا أعلاه من أن المادة 2 – فقرتها الثانية من قانون اتفاقية فيينا، حددت بأن " المعاهدة تعني إتفاقا دولياً مكتوباً يخضع للقانون الدولي أياً كانت تسميته ".
يستخلص مما تقدم أن هناك قواعد أسست لهذه الصياغة أهمها:
- العبرة ليست بالإسم
- العبرة بوجود إتفاق دولي
- العبرة بخضوعه للقانون الدولي
وبالتالي فإنه متى ثبُت وجود اتفاق خطي بين دول، ينظم سلوكها، ويخضعها للقانون العام، يكون الوصف القانوني لها، أنها معاهدة دولية،
وإذا كان المعيار السابق أعلاه هو معيار قانوني وفقهي دولي قد جرى التطرق اليه، فما هو معيار إجتهاد القضاء الدولي في هذا الصدد.
- معيار القضاء الدولي لدى محكمة العدل الدولية International Court of Justice :
المعيار لدى القضاء الدولي أيضاً لم يختلف عن ما نص عليه القانون الدولي وأكّده الفقه الدولي من أن العبرة في تحديد الطبيعة القانونية للإتفاق هي لمضمونه وآثاره وليست لتسميته الشكلية
وهو ما قضت به محكمة العدل الدولية في العديد من إجتهاداتها، وفي قضايا متعددة
( مثل قضايا الترسيم والتفاهمات الأمنية) وقد إعتمدت إختبارين:
- الأول: نية الإلتزام( Intent Test) قضت فيه على أساس الإجابة عما إذا كانت نية الدول الإلتزام قانوناُ ؟
- الثاني: مضمون الإلتزامات ( Substance Test)، بمعنى هل الإتفاق يُنشىء التزامات قابلة للتنفيذ الدولي ؟
وإنتهت بالحكم أنه إذا إجتمع العنصران يكون الإتفاق معاهدة ولو سمي " إتفاق إطار " أو " إعلان مبادىء...." وبالإضافة الى إجتهاد محكمة العدل الدولية يبقى معايير فقهية يتعين الإشارة اليها أيضاً إضافةً الى ما تقدم منها:
- معيار وجود الإلتزامات المتقابلة غير المتوازنة: Asymmetry of Obligations : ففي التحليل الحديث للمعاهدات الدولية لا يشترط التساوي في الإلتزامات، أو التوازن في التنفيذ، بل يكفي وجود التزامات قانونية متبادلة ولو غير متزامنة. وقد إستقر الفقه على أن حجم التوازن لا ينفي الصفة التعاهدية، بل قد يكون خاصية من خصائص المعاهدات السياسية والأمنية. وهو ما سنبحثه بالتفصيل لاحقاً ليس من حيث هذا المبدأ بصورة عامة، وإنما بمدى إنطباقه بصورة خاصة على الإتفاق موضوع البحث.
- معيار آليات التنفيذ والتحقق Verification Mechanismes: وتفترض وجود لجان مراقبة، وآليات تحقق، وتقارير دورية، وأطراف ضامنة. وهذا يعتبر في الفقه الدولي دليلاً قوياً على أن الإتفاق ليس إعلان نوايا، بل نظام قانوني لتنفيذ التزامات مشار إليها في الوثيقة، لأن هذه الآليات والمتطلبات تفترض مسبقاً، وجود إلتزام قانوني، وإمكانية التحقق من الإخلال به.
- معيار الآثار القانونية Legal effects test: بما أن الإتفاق الذي يفرض التزامات فورية ومباشرة على دولة، ويرتب نتائج قانونية عند التنفيذ أو عدمه، ويعيد تشكيل الوضع القانوني أو الأمني، ويدخل في نطاق الإتفاق او المعاهدة الدولية Treaty or international agreement، فمن الطبيعي وفقاً لما تقدم ذكره آنفاً، أن تكون النتيجة القانونية الجامعة، بناءً على إتفاقية قانون فيينا للمعاهدات، إجتهادات محكمة العدل الدولية، الفقه الدولي، معيار آليات التنفيذ، معيار نية الإلتزام، بالإضافة الى المنطق القانوني أن كل إتفاق بين دول يُنشىء إلتزامات قانونية قابلة للتحقق والتنفيذ ويخضع لآلية دولية للرقابة، يعتبر معاهدة دولية بصرف النظر عن تسميته او وصفه.
وبما أننا إستعرضنا في كل ما تقدم ما هي الأسس والقواعد القانونية في البحث سواءً بصورة عامة وفقاً لقواعد القوانين العامة والخاصة ذات الصلة، أو بصورةٍ خاصة عن ما سمي إتفاق الإطار الذي بالحقيقة هو منطلق بحثنا. لا بد بعد ذلك إلا الولوج الى مناقشة هذا الإتفاق بالعمق وبتفصيل مخصص له بالتحديد لا من حيث النظرة العامة اليه، وإنما من حيث التطبيق الحرفي للبنود الأربعة عشر للإتفاق. لنقوم بتفنيده وتفكيكه بمجمل بنوده، وتحديد الإلتزام القانوني فيه، وتحديد طبيعة التزام أطرافه، وتحديد ما إذا كان هذا الإلتزام فورياً أم مشروطاً، وتحديد ما إذا كان قابلاً للتحقق أم لا، وتحديد أثره على السيادة اللبنانية، وهل نحن أمام إتفاق إطار أم معاهدة دولية ؟ فنبدي في هذا الصدد ما يلي:
التحليل البنيوي للبنود الأربعة عشر لإتفاق واشنطن ( 26 حزيران 2026 ):
ومع الإشارة الى ما تبين لنا أعلاه، والتي تبين فيها:
- أن التسمية لا أثر لها في التكييف.
- أن معيار المعاهدة هو نية الإلتزام ومضمون الإلتزامات.
- وأن وجود آليات التحقق والتنفيذ يرجّح فيها إتسامها بالطابع التعاهدي.
لا يسعنا بعد ذلك منطقياً إلا إختبار النص نفسه،
فالفقه الدولي لا يكتفي بالتصنيف النظري، بل يعتمد على ما يسمى التحليل النصي والوظيفي للإلتزامات Textual and functional analysis of obligations
أي أنه ينظر بتحليل النص لجهة: اللغة. البنية. التسلسل. الأثر القانوني، وفقاً لما يلي:
- للدخول الى هذه البنود يجب الإجابة عن خمسة أسئلة لكل بند وهي:
- هل ينشىء هذا البند إلتزاماً.
- هل الإلتزام محدد وقابل التنفيذ .
- هل هو فوري أم مشروط.
- من الطرف الملتزم.
- هل يخضع للتحقق والرقابة.
فإذا كانت الإجابات نعم يكون هذا البند من البنود التعاهدية ، أما إذا كانت سلبية او إنشائية أو سياسية فتعتبر حينها بنوداً إطارية.
- البنية العامة للإتفاق ( Structure of obligations ) :
من خلال تحليل النص المنشور للبنود الإربعة عشر للإتفاق، يتبين أنه يرتكز أو يقوم على ثلاث نوعيات:
- أ- نوعية الإلتزامات اللبنانية الفورية وتشتمل على:
*- التزامات أمنية داخلية.
*- إعادة هيكلة وضع السلاح خارج نطاق السلطة العسكرية الرسمية.
*- بسط سلطة الدولة.
وهذه الإلتزامات هي: محددة، وقابلة للقياس، وقابلة للتحقق، وبالتالي هي أقرب الى المعاهدة الدولية منه الى إتفاق أعلان النوايا أو الإتفاق الإطار، للإلتزامات القانونية المباشرة المنصوص عليها فيه.
- ب- نوعية الإلتزامات الإسرائيلية المشروطة وتشتمل على:
- *- إعادة تموضع وإنتشار تدريجي لقواتها المسلحة.
- *- إعادة التموضع والإنتشار هذا مرتبط بالتحقق أي معلق على شرط لاحق.
- *- خطوات لاحقة غير فورية.
وهذه الإلتزامات هي : مؤجلة، مشروطة، لاحقة إجمالاً، بالإضافة الى انها خاضعة لتقييم طرف ثالث أو مشارك إن لم يكن الطرف الإسرائيلي هو بالذات الذي يُقَيم الموضوع (لغموض النص)، أي أنها التزامات ليست حالّة، وبمعنى آخر وبالإنكليزية Conditional obligations ، بمعنى غير ملزمة في حينه أي بتاريخ الإلتزام بها للطرف الذي يقع عليه أمر التقييم.
ومن الضروري هنا التطرق الى كلمة حالّة لأن معناها قد يختلف لغةً بحسب إستعمالها، فهي عادةً تعني مستحقة الأداء ( Due and payable ) لغوياً . أما في المصطلح القانوني وخاصةً في سياق هذا الإتفاق فهي تعني أن التزامات "إسرائيل" ليست حالّة او ملزمة إعتباراً من تاريخ توقيع الإتفاقية مباشرةً. أي أنها بعبارة أخرى غير مستحقة الأداء لأنها متوقفة على شرط مستقبلي لاحق تبتدىء بحصوله وليس قبل ذلك. وللوصول الى صحة تفسيرها بدقة أكثر، أنها إلتزامات معلقة على شرط تحقق. وهذا التمييز مهم قانوناً، لأن الإلتزام المعلق على شرط لم ولن يصبح نافذاً إلا عند تحقق الشرط، في حين أن الإلتزام الحاّل هو التزام قائم أصبح مستحق الأداء على الأقل لأحد أطرافه من تاريخ الإلتزام به بخلاف الطرف الآخر..
ج- تحليل طبيعة الالتزامات اللبنانية: تتصف بأنها: التزامات فورية
( Immediate obligations )، ومباشرة. التزامات تنفيذية
( obligations Operational ). كما أنها توجب إعادة تنظيم داخلي ( Domestic security restructuring ).
مما يجعل أثرها القانوني أنها لا تنتظر التزام الطرف الآخر. وتبدأ من تاريخ نفاذ الاتفاق، وقابلة للتدقيق والتحقق اللاحق. وهذا المعيار هو معيار جوهري في القانون الدولي، لأنه يحدد موجبات أطراف الإتفاق بدقة. الأمر الذي يؤكد هنا على أن التزام لبنان الأحادي مؤشر بطبيعته القانونية الملزمة بتاريخ نفاذه وعلى الطابع التعاهدي لا الإطاري فقط.
د – تحليل طبيعة الإلتزامات الإسرائيلة:
تتصف بأنها: ليست فورية، بخلاف الإلتزام اللبناني الفوري، لأنها مرتبطة بشرط سابق وهو التحقق من الإمتثال اللبناني بتنفيذ موجباته Lebanese compliance verification، وخاضعة أيضاً للتقدير الظرفي، مما يشير إلى أنها إلتزامات مقابلة ولكنها معلقة على شرط يوقف الإلتزام بها لحين تحقق هذا الشرط. وهذا الأمر وإن لا ينفي صفة المعاهدة ، إلا أنه يخلق عدم توازن وظيفي في تنفيذ موجبات اطراف الإتفاق، ويُثقل كاهل الطرف المغبون.
- آلية التحقق: Verification mechanism
بما أن الإتفاق نصّ على آلية تحقق كما يتبين،
وبما أنه لا معنى للتحقق بدون التزام قابل للخرق او عدم التنفيذ جزئياً او كلياً للإلتزام،
وبما أنه يوجد في الإتفاق طرف آخر غير اطرافه، أو ايجاد هيئة تقييم لاحقاً ، وفقاً لما قد يستجد، تكون هي المعنية بالتحقق او المشاركة فيه كطرف مستقل،
وبما أن ذلك، بالإضافة الى ما ورد أعلاه من واقعات، لايعني نقل عنصر من السيادة التنفيذية إالى آلية دولية بإدخال عنصر رقابي خارجي، يعتبر في الفقه الدولي وجود آلية تحقق غير مرتبطة بأحد أطراف العقد ( لا كما هي الولايات المتحدة المرتبطة مع "إسرائيل" بتحالف إستراتيجي مما قد يشكك في نزاهة التحقق والحكم على النتيجة)، ومما يعني وجود نظام التزام قانوني غير متكافىء النتائج حتى تاريخه، وليس إعلان نوايا، وبالتالي يعني ذلك كله إتصاف ما سمي إتفاق إطار بصفات المعاهدة الدولية وليس عملاً يقتصر على رسم خارطة طريقٍ فقط كما توحي تسميته، والذي يزيد في تأكيد ذلك متابعة التحليل للإتفاق لجهة:
إختلال التزامن: Asymmetry of timing ، وهو ما أشرنا اليه بصورة عامة ومبدئية في البند 3 أعلاه من حيث أن التنفيذ الفوري على لبنان هو فوري ، بينما تنفيذ إسرائيل لاحق ومشروط ومتعلق بأمر مستقبلي قد يعيقه لظرف خارج عن إرادة أطراف الإتفاق أو لأي سببٍ آخر حتى من قبل اطرافه. وأشرنا أعلاه أنه سيتم بحثه تفصيلاً.
ونشير أيضاً الى أن بحث هذا البند ينطبق على كافة أو بالأحرى أهم النقاط القانونية المفروض بحث كلٍ منها على حدة. ولكن لعدم الإستطراد والإطالة في البحث أكثر م ذلك، سنشير في هذا التفصيل فقط الى إختلال التوازن الذي ينطبق قياساً على كافة البنود الأخرى التي سنشير اليها بإختصار للتذكير فنقول بشأنها جميعاً ما يأتي:
لا يكشف الإتفاق الإطار موضوع بحثنا، عن مجرد إختلال في بعض الإلتزامات المتبادلة، وإنما يعكس في بنيته القانونية ذاتها، ما يمكن وصفه بالإختلال البنيوي (Structural asymmetry) أي قيام العلاقة الإتفاقية على عدم تكافؤ أصيل يمس مختلف عناصرها، سواءً من حيث مضمون الإلتزامات، او توقيت تنفيذها، او وسائل التحقق من تنفيذها، أو الآثار القانونية المترتبة على الإخلال بها، ومن ثم فإن الخلل لا يكمن او ينحصر في بندٍ منفرد واحد، وإنما في الهندسة القانونية للإتفاق بمجملها، بحيث تتضافر هذه العناصرلتنتج مركزاً قانونياً غير متوازن بين الطرفين.
ويبرز أول مظاهر هذا الإختلال فيما يعرف ب (Asymmetry of obligations ) أي عدم التكافؤ في الإلتزامات الأساسية، إذ يفرض الإتفاق على الدولة اللبنانية إتخاذ إجراءات إيجابية واسعة النطاق، تشمل بسط سلطتها الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، ونزع السلاح للجماعات المسلحة غير الحكومية، وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها، وإتخاذ التدابير الكفيلة بضمان عدم تكوينها، للتحقق بعد كل ذلك من صحة هذه الأعمال،( وهو ما يجيز لطرفي الإتفاق الآخرين البقاء في لبنان سنوات وسنوات الى ما شاء الله لمراقبة تنفيذ موجبات والتزامات لبنان، أي البقاء في لبنان، وشرعنة هذا الوجود لجيش إحتلال غريب في البقاء على أرض الوطن، بإجازة لبنانية صادرة عن الدولة اللبنانية، يبررها إيراد عبارة مما يمكّن القوات الإسرائيلية من إعادة التموضع والإنتشار مع ما تتضمنه هذه العبارة غير المحددة من معنى. إذ أنه يمكن أن يكون الإنتشار والتموضع داخل الأراضي اللبنانية، وليس خارج الحدود اللبنانية الدولية المعترف بها دولياً، ودون تحديد وقت زمني لهذا الإتفاق، فيدلى مثلاً أن االخط الأزرق الذي تم بروز إشكاليات بشأنه، وفي هذه الحرب والاحتلال الحالي الخط الأصفر هما خارج الأراضي اللبنانية إذ من يدعي أن الخط الأزرق هومدار بحث للحدود، قد يدعي أن الخط الأصفر الذي تعلنه القوات الإسرائيليىة هوكذلك أيضاً )، في حين لا يرتّب على الجانب الإسرائيلي إلتزاماً مماثلاً في حجمه او طبيعته، بل يقتصر إلتزامه الأساسي على إعادة الإنتشار وفق شروط وآليات لاحقة، مما يجعل عبء التنفيذ الفعلي متركّزاً بصورة شبه كاملة على أحد طرفي الإتفاق وهو الطرف اللبناني ( مع الإشارة الى أنه لم تُذكر في الإتفاق كله كلمة إنسحاب الى الحدود اللبنانية الدولية المعترف بها دولياُ، وإنما إعادة الإنتشار التي حتماً ستكون مدار نزاع قادم لعدم وضوح العبارات وتحديد الكلمات بدقة )
ويتمثل المظهر الثاني ( إختلال التزامن Asymmetry of timing ) موضوع بحثنا المفصّل والمنعكس قياساً على باقي المظاهر الأخرى) أي الإختلال الزمني في تنفيذ الإلتزامات. حيث لا تتزامن موجبات الطرفين، ولا تنفذ بصورة متقابلة، وإنما لبنان ملتزم تنفيذ موجباته أولاً، وبصورة كاملة، بينما يبقى تنفيذ الإلتزام المقابل معلقاً على تحقق تلك الموجبات وعلى نتائج عمليات التحقق والتقييم اللاحقة والمتوقفة على تنفيذ الطرف اللبناني لتلك الموجبات والالتزامات، مما يؤدي الى إستنفاد أحد الطرفين لجميع التزاماته المفتوجة وموجباته، قبل أن يصبح الطرف الآخر ملزماً فعلياً للمباشرة بتنفيذ إلتزاماته، بما يتعارض مع مبدأ المعاملة بالمثل، ويُخِل بمبدأ التوازن الزمني الذي يشكّل أحد مقومات العدالة العقدية.
ويتجسد المظهر الثالث في ما يسمى (عدم تماثل التحقق Asymmetry of verification )، أي الإختلال الزمني في تنفيذ الإلتزامات، إذ تخضع الأعمال التي يقوم بها الجانب اللبناني لآليات تحقق ورقابة دقيقة ومتواصلة، في حين لا يقابلها نظام مماثل لمراقبة تنفيذ الإلتزامات الإسرائيلية أو لفرض جزاءات واضحة عند التأخير أو الإمتناع عن التنفيذ ، الأمر الذي يجعل الرقابة والتحقق ذات إتجاه واحد، ويؤدي الى إختلال في مراكز الأطراف أمام الجهة القائمة بالتحقق( والنص غامض وغير محدد فيما إذا كانت هي ذاتها "إسرائيل" ستقوم بهذا التحقق وهو الإحتمال الغالب، لعدم تحديد نص الإتفاق لذلك بوضوح، وللمعايشة الفعلية الحاصلة طيلة ايام المعارك الحاصلة والتي كانت فيها الولايات المتحدة تأخذ الإقتراحات المقدمة من الدولة اللبنانية، فتعرضها على " اسرائيل" وتعود بالجواب بأن هذه الأخيرة لم تقبل بهذه الإقتراحات المقدمة من الجانب اللبناني. وكأن الولايات المتحدة لا تعمل إلا كطرف مساعد ومعاون لتحقيق الرغبات الإسرائيلية، بما يعني أن على لبنان تحقيق الرغبات الإسرائيلية على حساب مصلحته الوطنية، وهو أمر يخالف المبادىء الوطنية والشرف والكرامة المفروض أن يتسم بها الموقف اللبناني في الدفاع عن الأرض والوطن والمواطن) .
أما المظهر الرابع فهو ( عدم تكافؤ الوسائل القانونية المتاحة Asymmetry of legal means )، وذلك عند الإخلال بالإتفاق، إذ لا يتبين من بنيته وجود آلية متوازنة تضمن إلزام الطرفين على قدم المساواة بتنفيذ موجباتهما ، ولا وسائل فعّالة تكفل للطرف المتضرر الحصول على التنفيذ العيني او التعويض او تعليق التزاماته بصورة متوازنة، الأمر الذي يفضي عملياً الى تفاوت واضح في النتائج القانونية المترتبة على الإخلال المشار إليه.
يضاف الى هذه المظاهر التي أشرنا إليها أعلاه سواءً فيما يعود لمفهوم المعاهدة الدولية اوإتفاق الإطار بصورةٍ عامة أو لمفهوم الإتفاق موضوع بحثنا بصورة خاصة، المسمى إتفاق إطار الذي لا يمكن أن يتصف بهذه التسمية للأسباب جميعها المشار إليها آنفاً، ولا سيما المظهر الرابع من أنه للوثيقة موضوع البحث، أو بمعنى آخر، إختلال أوراق الضغط الإستراتيجية، لأن الطرف الذي ينفذ إلتزاماته أولا،ً يفقد تدريجياً وسائل التأثير التي كانت بحوزته، بينما يحتفظ الطرف الآخر بإلتزامه الأساسي كورقة تفاوض وضغط يمكن ربط تنفيذها بتقديرات لاحقة أو بشروط إضافية، مما يؤدي الى إنتقال مركز القوة القانونية والسياسية بصورة متزايدة الى الطرف الذي لم ينفذ موجباته ( وربما لن ينفذها)
ومن ثم فإن هذه المظاهر والصور المختلفة بمجملها، لا تمثل إختلالات منفصلة عن بعضها البعض فقط، وإنما تشّكل منظومة إختلالات واحدة ومتكاملة بل ومتمادية، يكون فيها عنصر عدم التكافؤ هو القاعدة الحاكمة للإتفاق، الأمر الذي يثير تساؤلاً جدياً وخطيراً ، حول مدى إنسجامه مع المبادىء العامة للقانون الدولي، ولا سيما مبدأ المساواة بين الأطراف، ومبدأ المعاملة بالمثل، ومبدأ حسن النية في تنفيذ الإتفاقات، ويضعف من مشروعيته بوصفه إطاراً قانونياً لا يحقق توازناً حقيقياً في الحقوق والإلتزامات.
لذلك، وعطفاً على ما ورد أعلاه، ومن حيث البنية القانونية، لا يجوز، بل بالأحرى لا يمكن تصنيف ما سمي بالإتفاق الإطار كإعلان سياسي، أو إعلان نوايا للأسباب المتقدم ذكرها، وإنما هو معاهدة دولية بكل ما للكلمة من معنى. الأمر الذي يوجب معه بحث النقطة القانونية التالية:
ما هو الأثر الدستوري لإتفاق واشنطن بين الفرقاء المشار إليهم أعلاه على ضؤ الدستور اللبناني، ولا سيما المادة 52 منه:
بما أنه ثبُت في ما تقدم، أن الإتفاق موضوع البحث، يتضمن التزامات قانونية متبادلة، ويقوم على آليات تنفيذ وتحقق، ويرتب آثاراً قانونية تدريجية على الدولة اللبنانية،
فإن السؤال هنا لا يقف عند مستوى القانون الدولي فقط، بل ينتقل الى مستوى القانون الدستوري الداخلي أيضاً، للتحقق عما إذا كان يجيز للسلطة التنفيذية في لبنان إبرام هذا النوع من الإتفاقات دون عرضها على مجلس النواب سنداً للمادة 52 من الدستور؟
وبما أن نص المادة 52 المذكورة ورد أعلاه وحرفياً، ومفاده أن رئيس الجمهورية يتولى التفاوض في عقد المعاهدات الدولية، وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتُطلِع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة، والمعاهدات التجارية، وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة المجلس النيابي.
*- يتبين من مضمن المادة 52 المذكورة، أنها تتسم بنوعين من المعاهدات:
- النوع الأول يبرمه رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الوزراء.
- النوع الثاني هو المعاهدات التي تستوجب موافقة مجلس النواب لإمكانية إنبرامها، وهي التي تمس مالية الدولة، أو ترتب إلتزامات طويلة الأمد، أو تتعلق بالسيادة أو الأمن أو العلاقات الجوهرية مع دول أخرى.
وبما أنه كما في القانون الدولي، يعتمد الفقه الدستوري اللبناني مبدأ
" العبرة في طبيعة الإلتزام لا بتسميته"، كما تبين لنا اعلاه،
وبما أن ذلك يعني أنه لا تستطيع السلطة التنفيذية أن تسمي "معاهدة " " إتفاق إطار " لتتجنب الرقابة البرلمانية، خاصةً إذا كان مضمونها ينشىْ إلتزامات دولية، أو يمس السيادة، أو يرتب آثاراً دائمة،
وبما أنه من التحليل الوارد أعلاه لبنود الإتفاق، يظهر لنا بوضوح، أن الإتفاق يتضمن:
- التزامات سيادية داخلية: كإعادة تنظيم الوضع الأمني، وإعادة هيكلة القوى المسلحة غير النظامية على كافة الاراضي اللبنانية، وغير ذلك من أمور، بالإضافة الى ترتيبات أمنية أخرى داخل الدولة.
وبما أن هذه الإلتزامات تمس مباشرةً مفهوم إحتكار الدولة للقوات المسلحة على كافة الأراضي اللبنانية.
- التزامات سيادية خارجية وأمنية دولية: كإعادة تموضع وإنتشار القوات الإسرائيلية، والترتيبات الحدودية معها، بالإضافة الى آليات تحقق دولية، وهذه الإلتزامات تدخل في مجال السيادة الخارجية للدولة اللبنانية.
كما أنه لا بد من الإشارة هنا الى ما تمّ المفاوضة والتوقيع عليه في البند 13 من الإتفاق المتعلق بحدود سلطة الدولة في التصرف بالحقوق الناشئة عن الجرائم الدولية الجسيمة، ولا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
فإذا كان نص الإتفاق ينص على التوقف وإمتناع الطرفين عن إقامة دعاوى دولية ضد بعضهما البعض. فإن النص هذا لا يمكن النظر إليه على أنه يمنح الدولة سلطة مطلقة للتنازل عن كل الحقوق، لأن الأمر يختلف بإختلاف طبيعة الحق. ويجب هنا التمييز بين مستويين:
- حقوق الدولة نفسها: فمن حيث المبدأ، يجوز للدولة أن تتنازل عن بعض مطالباتها الدولية، أو أن تُبرم تسوية أو صلحاً بشأنها. فهذا يدخل في صلاحياتها في إدارة العلاقات الدولية، متى إحترمت دستورها وقواعد القانون الدولي .
- الحقوق الناشئة عن الجرائم الدولية الخطيرة: وهنا يختلف الوضع. فالفقه والإجتهاد الدوليان يميلان الى إعتبار الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب تمس المجتمع الدولي بأسره. وأن الإلتزامات المتعلقة بملاحقتها هي إلتزامات تجاه المجتمع الدولي ( Obligations erga omnes ) وكثيرٌ منها يرتبط بقواعد آمرة ( Jus cogens ) لذلك يثور جدل جدي حول مدى جواز ان تتنازل دولة ما عن الملاحقة او عن المسؤولية الدولية الناشئة عن هذه الجرائم بصورة نهائية.
هذا بالنسبة الى الدولة اللبنانية. أما بالنسبة الى حق اللبنانيين أنفسهم ، فالأمر أكثر تعقيداً. ذلك أن الدولة لا تملك دائماً حق إسقاط الحقوق الفردية للأشخاص، ولا سيما إذا كانت هذه الحقوق ترتبط بضحايا جرائم دولية جسيمة. وقد أكّدت هيئات ومحاكم دولية عديدة أن حق الضحايا في الوصول الى العدالة والحقيقة وجبر الضرر لا يجوز إهداره بسهولة بمجرد إتفاق سياسي بين دولتين،
ومن أبرز السوابق ذات الصلة:
*- إتفاقية دايتون، التي لم تمنع ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب.
*- إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، رغم وجود إتفاقات سلام.
*- إجتهاد محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان الذي أبطل في عدد من القضايا قوانين العفو الشامل عن الجرائم ضد الإنسانية.
أما من الناحية الواقعية العملية، فإن كثيراً من إتفاقيات السلام تتضمن بنوداً لوقف الدعاوى او المطالبات المتبادلة، لأن الدول ترى فيها وسيلة لإنهاء النزاع. لكن هذه البنود لا تؤدي بالضرورة الى شطب أو محو المسؤولية عن الجرائم الدولية أو إلى إسقاط حقوق الضحايا الفردية أمام كل الآليات القضائية الممكنة.
وفيما يعود للحالة اللبنانية تحديداً. إذا كان المقصود بالجرائم ما إرتُكب أثناء النزاعات والإعتداءات الإسرائيلية على لبنان. فإن القول أو التعهد بأن الدولة تستطيع قانوناً إسقاط جميع حقوقها، أو إسقاط حقوق جميع اللبنانيين في الملاحقة او التعويض هو قول لا يمكن القبول به لعدم وجود سند قانوني له، أي فاقداً لأساسه القانوني، وبالتالي يصعب التسليم به قانونياً، لأن جزأً من هذه الحقوق قد يكون ذا طبيعة شخصية، أو متعلقاً بقواعد آمرة في القانون الدولي أو المحلي، فلا يجوز الإتفاق على مخالفتها، خاصةً وأن الموضوع على المستوى الداخلي يتعيّن القول بأن أي تنازل جوهري عن سيادة أو حقوق إقليمية أو حقوق المواطنين اللبنانيين يخضع للقيود الدستورية اللبنانية وإجراءات إبرامها من مجلس الوزراء وموافقة المجلس النيابي عليها عندما يستوجب الأمر ذلك ( السماح لجيش عدو البقاء على الأراضي اللبنانية لمدة زمنية مفتوحة، السماح لجيش عدو بمراقبة عمل الجيش اللبناني وتقييم أدائه، التوقيع على اتفاقية تجيز للعدو تبرير وجوده على الأراضي اللبنانية بموافقة الدولة اللبنانية) ولفقدانه السند القانوني دستوريأً لعدم وجود نص دستوري يجيز ذلك. فإن لم تستوفَ هذه الإجراءات الدستورية يصبح التنازل باطلاً داخلياً على الأقل وبالنسبة الى لبنان خاصةً.
هذا الأمر المتقدم ذكره هو على وجه العموم، يضاف إليه أنه لا يحق للدولة اللبنانية التنازل عن حقوق خاصة أيضاً لأفراد او مصالح خاصة للمدى الذي يخرق إلتزاماتها السابقة تجاه الغير، كما أن التنازل عن حقوق دبلوماسية لضحايا قد يُقيد حقوقهم في الطعن أمام هيئات معينة إلا إذا تم تحرير تعويضات وُضعت بصورة تلزم أطراف الإتفاقية هذه الأمر غير المتوفر فيها.
وبما أن ممارسة رئيس الدولة لسلطاته بين مقتضيات حماية الدولة وحدود الدستور تنطلق من موقعه كرئيس للدولة ضمن النظام الدستوري اللبناني، بحيث أنه يشغل موقعاً محورياً في البناء الدستوري، ويجسد وحدتها وإستمراريتها، وقد يناط به في بعض الأنظمة دور الساهر على احترام الدستور وضمان عمل المؤسسات ( وهو ما كان جزأً من خطاب القسم لرئيس الجمهورية في المجلس النيابي)،
غير أن هذه المكانة لا تعني تمتعه بسلطة شخصية مستقلة عن النظام الدستوري. بل إن إختصاصاته تبقى محددة بالمصدر الذي منحه إياه الدستور. فالرئيس يمارس سلطة الدولة ولا يملكها ملكية خاصة، ويمثل الإرادة الوطنية ضمن الحدود التي رسمتها القواعد الدستورية،
ومن ثمّ، فإن عبارة أن رئيس الدولة هو " رمز السيادة الوطنية " لا يمكن تفسيرها أنه يسمو على الدستور، بل معنى ذلك أنه يُجسد إحترام الدستور ويحمي إستمرارية الدولة بكافة معانيها. الأمر الذي ينهض معه السؤال التالي: هل تجيز السيادة لرئيس الدولة العمل خلافاً للدستور ؟
والإجابة القانونية المستقرة على هذا التساؤل هي طبعاً أن السيادة لا تشكل مصدراً لتجاوز الدستور، ذلك أنها في الدولة الحديثة هي سيادة قانونية مؤسساتية، وليست سلطة شخصية مطلقة بدون ضوابط كما كان الحكم الملكي سابقاً. وإذا كان رئيس الدولة يملك في حالاتٍ معينة، صلاحيات تقديرية واسعة لمواجهة الأزمات، فإن هذه الصلاحيات تبقى محكومة بثلاثة مبادىء أساسية:
- مبدأ الإختصاص: أي أن لا يمارس الرئيس إلا الصلاحيات التي أجازها له الدستور ومنحه إياها.
- مبدأ الضرورة: أي أن التدبير الإستثنائي لا يكون مشروعاً إلا إذا كان هناك خطر حقيقي. فيصبح ما هو غير قانوني في الظروف العادية، قانونياً عند الضرورة ومكرساً للمبدأ الإداري القائل بأن الظروف الإستثنائية تتطلب قرارات إستثنائية
Les circonstances exceptionnelles exigent des décisions exceptionnelles
والضرورة في هذه الحالة تعتبر كوسيلة لحماية الدستور لا إلغائه. بإعتبار أن المفارقة الأساسية في نظرية الضرورة هذه، أن الهدف منها ليس الخروج من النظام الدستوري، بل حماية هذا النظام عندما يصبح تطبيق القواعد العادية غير ممكن او غير كافٍ.
فالضرورة الحقيقية هي التي تنقذ الدولة الدستورية من الإنهيار، أما إستعمال الضرورة كتدبير دائم لمخالفة الدستور فإنه يؤدي الى نتيجة معاكسة تماماً، إذ يحوّل الإستثناء الى قاعدة ويجعل الإرادة الفردية تحل محل القانون.
وقد عبّر الفقه الدستوري عن هذه الفكرة، بأن الدستور لا يمكن أن يكون ضحية الظروف التي يُفترض أنه وضع لتنظيمها.
- مبدأ التناسب: أي أن تكون الوسيلة المستخدمة بقدر الخطر القائم، دون تجاوز ما تقتضيه المواجهة، وبالتالي، لا يمكن لفكرة " السيادة " او " الصلاحيات الكاملة " أن تتحول الى تفويض مفتوح يسمح بتعطيل النصوص الدستورية أو تجاوز المؤسسات الدستورية القائمة.
فمفهوم السيادة إذن وعلاقتها بالضرورة الدستورية أن هذه السيادة لم تعد في الدولة المعاصرة هي إطلاق يد السلطة دون قيود، وإنما أصبحت مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بمبدأ المشروعية. فالدولة لا تكون قوية عندما تتحرر من القانون، بل عندما يكون قانونها قادراً على تنظيم السلطات العامة فيها حتى في أصعب الظروف،
وعليه فإن رئيس الدولة، مهما علت مكانته الدستورية يبقى جزأً من النظام الدستوري اللبناني، وليس فوقه، ويمارس مهام الرأس لسلطة الدولة بإسمها ولحسابها، لا بإعتباره مصدراً شخصياً للسيادة. ذلك أن المعادلة الصحيحة التي تحقق إستقرار الدولة تتمثل في الجمع بين قوة الدولة، وسيادة القانون. فالدولة بلا قانون تتحول الى سلطة القانون بلا دولة، أي يبقى مجرد نصوص لا تفي غرض وجودها. أما الدولة الدستورية فهي التي تجعل من القانون مصدر قوتها ومن أحترامها للدستور أساس شرعيتها.
فالدولة لم تعد حرة في التصرف بكل ما يقع داخل إقليمها، لأن الإنسان أصبح صاحب حقوق دولية، ولأن بعض الجرائم أصبحت تمس المجتمع الدولي بأسره فيبقى واجب السلطة إذن في أي دولة أحترام هذه البديهية. وعليه فإن مشروعية أي تنازل دولي لا تقاس فقط بصدوره عن سلطة مختصة، وإنما أيضاً بطبيعة الحق الذي ينصبّ عليه،
فحيث يكون الحق خاصاً بالدولة، يمكن أن يكون بعض التنازل مشروعاً إن لم يطال القواعد المقررة الدولية التي لا يجوز مخالفتها والمسماة بالقواعد المنزوعة التجاوز
أما حيث يتعلق الأمر بجرائم دولية جسيمة وحقوق أساسية للضحايا، فإن القانون الدولي يضع حدوداً لهذه السلطة.
وهذه النتيجة التي يفرضها مبدأ سيادة القانون الدولي ذاته من أنه لا توجد سيادة خارج القانون، ولا يوجد إتفاق يستطيع أن يلغي القواعد التي تحمي الإنسان والعدالة الدولية.
وبما ان هذا الأمر هو في القانون الدولي وفقاً لما تقدم،
وبما أنه لا يوجد في القوانين اللبنانية الوضعية أي نص يجيز للسلطة التنفيذية اللبنانية التنازل عن الحقوق السيادية للدولة، أو الشخصية لمواطنيها،
وبما أنه من الجدير ذكره في مسألة التعليق على الإتفاق موضوع البحث، أن الوزير والنائب السابق، والرئيس السابق للحزب التقدمي الإشتراكي، السيد وليد جنبلاط، كان من أوائل السياسيين الذين تجرأوا وإنبروا، للتعليق، سياسياً وقانونياً، على ما سمي بالإتفاق الإطار، وذلك من خلال مذكرة أودعها المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، وذلك في الجلسة الإستثنائية لهيئته العامة نهار الثلاثاء في 7/7/2026 وتم في الجلسة ذاتها تبنيها، ولأهميتها بتصوير الوضع بإيجاز يتعين ذكر ما جاء فيها من أنه:
" يكشف " إتفاق الإطار" الموقّع بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، عن تحوّل خطير في مقاربة الصراع اللبناني- الاسرائيلي، فهو لا ينطلق من أولوية إنهاء الإحتلال والإعتداءات الإسرائيلية، بل يعيد تعريف سبب النزاع بإعتباره مرتبطاً بوجود سلاح غير نظامي داخل لبنان، وفي مقدمه سلاح حزب الله، وبذلك، ينقل الإتفاق مركز المشكلة من الإحتلال الإسرائيلي الى الداخل اللبناني، ويجعل إنسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية مشروطاً بما تعتبره الولايات المتحدة نجاحاً لبنانياً في نزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية.
قراءة في بنود الإتفاق
بعد الاطلاع على بنود الاتفاق ال 14، نستطيع القول أن أخطر ما فيه أنه لا يفرض على إسرائيل إلتزاماً فورياً وواضحاً بالإنسحاب من الأراضي اللبنانية، بل يتحدث عن " إعادة إنتشار تدريجية " مرتبطة بالتحقق من تنفيذ لبنان إلتزاماته. وهذا يعني عملياً أن الإحتلال يتحول من خرق للقانون الدولي، ولإتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، وللقرار الأممي 1701 ولإتفاق الطائف، الى ورقة ضغط مشروطة، وأن إسرائيل تستطيع البقاء في الأراضي اللبنانية بذريعة أن لبنان لم ينجز بعد نزع سلاح الجماعات المسلحة أو لم يثبت قدرته على إحتكار القوة.
“ كما يمنح الاتفاق الولايات المتحدة دوراً يتجاوز الوساطة الى الوصاية التنفيذية، من خلال التحقق، وتنسيق الآليات العسكرية، وربط المساعدات العسكرية والإقتصادية للبنان بشروط سياسية وأمنية، وفي هذا الإطار، تصبح إعادة الإعمار نفسها مشروطة بمسار أمني داخلي، بما يحوّل حاجة لبنان الى النهوض الإقتصادي الى أداة ضغط على قراره السيادي.
أما البند 13 المتعلق بوقف الأعمال العدائية أو " المعاكسة " في المحافل السياسية والقانونية الدولية، فهو من أخطر البنود، لأنه قد يستخدم لتقييد حق لبنان في تقديم الشكوى ضد اسرائيل، أو المطالبة بالتعويضات أو ملاحقة الإنتهاكات أمام الأمم المتحدة والمحافل الدولية، فبدل أن يحفظ الإتفاق للبنان حقه القانوني، يفتح الباب أمام تفسير إسرائيلي واسع يعتبر أي تحرك لبناني ضد الإعتداءات عملاً معادياً او مخالفاً لروح الإتفاق. وتزداد الخطورة مع الحديث عن مناطق نموذجية أو تجريبية، وهو ما ورد في البند الثالث، لأن ذلك يعني عملياً تقطيع الجنوب الى مراحل أمنية خاضعة للتحقق، وربط عودة السكان وإعادة الإعمار بترتيبات ميدانية تقررها آليات مشتركة لا يملك لبنان وحده السيطرة عليها. وعندما يتزامن ذلك مع إنشاء إسرائيل بوابات عبور او نقاط تحكم ميدانية، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة لأنه يكرّس واقعاً أمنياً جديداً على الأرض، ويحوّل الإنسحاب من حق لبناني كامل تكفله قرارات الأمم المتحدة وإتفاقية الهدنة، الى عملية مشروطة ومجزأة ومفتوحة زمنياً.
الفرق مع إتفاقية الهدنة عام 1949
تبدو اتفاقية الهدنة اللبنانية – الاسرائيلية لعام 1949، رغم قدمها، أكثر حمايةً للموقع اللبناني من " إتفاق الإطار " الحالي. فقد إنطلقت الهدنة من مبدأ وقف الأعمال العسكرية بين القوات النظامية، وإحترام خط الهدنة الذي يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، ومنع أي عمل عدائي أو عبور عسكري. كما نصت على لجنة هدنة مشتركة برئاسة الأمم المتحدة، لا برعاية أميركية منفردة، ما أعطى الإتفاق طابعاً دولياً واضحاً. الأهم أن اتفاقية الهدنة شددت على أن أحكامها لا تمس حقوق أي من الطرفين أو مطالبه او مواقفه في التسوية النهائية. أي أنها لم تطلب من لبنان التنازل عن أوراقه السياسية او القانونية، ولم تربط أمنه الداخلي بإنسحاب إسرائيل، ولم تجعل الإحتلال نتيجة لفشل لبناني داخلي. ولو جرى الإستناد بوضوح الى إتفاقية الهدنة، لكان لبنان تمسك بإطار قانوني بحظر العدوان ، ويؤكد الحدود الدولية ( غير المذكورة في إتفاق الإطار)، ويضع الخروقات تحت رقابة الأمم المتحدة، ويحفظ حقوقه بدل إدخالها في تفاوض سياسي أمني مفتوح، ويُلزم إسرائيل بالإنسحاب غير المشروط، فيما إتفاق الإطار لم يأتِ على ذكر الإنسحاب أبداً، بل تحدث عن إعادة تموضع قوات الإحتلال .
المقارنة مع إتفاق 17 أيار 1983
أما عند المقارنة مع إتفاق 17 أيار، فيظهر أن "إتفاق الإطار" الحالي لا يقل خطورةً عنه، بل قد يكون أخطر في بعض جوانبه، فإتفاق 17 أيار نصّ صراحةً على إنهاء حالة الحرب، وعلى إنسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان وفق ملحق محدد، لكنه تضمّن ترتيبات أمنية وتطبيعية وقيوداً على علاقات لبنان العربية، ما جعله يعتبر إتفاقاً يمس السيادة اللبنانية ويُقيد موقع لبنان الإقليمي.
أما الإتفاق الإطاري الحالي، فيتجنب أحياناً اللغة المباشرة للتطبيع، لكنه يذهب الى ما هو أبعد من ذلك عبر إعادة تشكيل الداخل اللبناني نفسه. فهو لا يكتفي بترتيبات أمنية حدودية، بل يطلب تفكيك بنية عسكرية وسياسية داخل لبنان، ويربط المساعدات وإعادة الإعمار والإنسحاب الإسرائيلي بنتائج هذا المسار. وبذلك يصبح الإتفاق تدخلاً في بنية الدولة اللبنانية وتوازناتها الداخلية، لا مجرد إتفاق أمني مع إسرائيل.
كما أن إتفاق 17 أيار تضمّن التزامات متبادلة نسبياً، وإن كانت مختلّة وخطيرة، بينما يفتح الإتفاق الإطاري الحالي إسرائيل موقع الطرف الذي يراقب وينتظر ويتحقق، فيما يتحمل لبنان عبء التنفيذ الداخلي، وهذا الخلل يجعل الإتفاق الحالي أكثر قابلية للإستخدام الإسرائيلي، فإذا طالبت أي جهة دولية إسرائيل بالإنسحاب، تستطيع أن تقول أن الإتفاق نفسه ربط الإنسحاب بنزع السلاح والتحقق من ذلك
خلاصة
إن خطورة "إتفاق الإطار" لا تكمن فقط في بنوده، بل في الفلسفة التي يقوم عليها. فهو لا يعالج الإحتلال بوصفه سبباً مركزياً للنزاع، بل يحوّله الى نتيجة مشروطة بالوضع الداخلي اللبناني. ولا يحفظ حق لبنان في مقاومة الإنتهاكات قانونياُ وسياسياً، بل يضع قيوداً فضفاضة على تحركه الدولي. ولا يعيد الإعتبار لإتفاقية الهدنة التي كانت تمنح لبنان حماية قانونية أُممية، بل يستبدلها بإطار أميركي – إسرائيلي يفتح الباب أمام وصاية أمنية وسياسية جديدة،
وبذلك، يصبح لبنان أمام معادلة خطيرة: إما الدخول في مواجهة داخلية حول السلاح قد تهدد السلم الأهلي، وإما القبول ببقاء الإحتلال والتهجير والإعتداءات تحت عنوان عدم إكتمال شروط التنفيذ. وفي الحالتين، تكون إسرائيل قد حصلت على ما تريده: تحويل إحتلالها من خرق واضح للقانون الدولي الى مسألة تفاوضية مرتبطة بالداخل اللبناني، وهذه هي أخطر نتائج الإتفاق ".
واللافت فيما يعود لهذه المذكرة، أن المواقف الوطنية ليست قيمتها بعدد من يرددها، بل بقدرة صاحبها على إستشراف الأخطار قبل أن تتحول الى وقائع يصعب الرجوع عنها. ومن هذا المنطلق. فإن المذكرة هذه التي تقدم بها السيد وليد جنبلاط، تستحق أن تُقرأ بعناية بوصفها وثيقة سياسية ووطنية إستثنائية، لأنها كانت، في تقديرنا، الصوت الموضوعي الوحيد الذي نفذ الى جوهر الإتفاق، وكشف بعمق فلسفته الحقيقية، بعيداً عن أبعاد العبارات الدبلوماسية والسياسية المفخخة التي صيغ بها هذا الإتفاق. لأنه أدرك، بحسّه المتوفز، وعمق وبعد بصيرته الوطنية والسياسية في آن. وبما راكمه من خبرة سياسية إمتدت لعقود، أن خطورة الإتفاق لا تكمن في ألفاظه، وإنما في بنيته القانونية. فقراً البنود ال 14 ونصوصها الدقيقة الأبعاد، قراءة رجل دولة يدرك أن الكلمات ليست مجرد تعابير، بل هي أدوات تنشىء حقوقاً والتزامات، وقد تُغيّر مراكز قانونية وسيادية بأكملها. ومن هنا إستخلص بجلاء بصيرته أن الإتفاق لا يجعل إنسحاب الجيش الإسرائيلي إلتزاماً قائماً بذاته، بل يربطه بتنفيذ لبنان بسلسلة من الموجبات السابقة ، بحيث يغدو إستمرار وجود القوات الإسرائيلية، وفق منطق الإتفاق، أمراً يجد له سنداً في آلية التنفيذ نفسها، لا في قواعد الإحتلال ألتي يرفضها ويأباها القانون الدولي كما الفقه والإجتهاد الدوليين وكل وطني شريف في أي بلدٍ كان.
وهنا تتجلى خطورة ما نبّه إليه السيد جنبلاط، إذ أن الإتفاق في بنيته، لا يقوم على تبادل متوازن للإلتزامات، بل على تعاقب غير متكافىء لها، يحمّل لبنان واجبات محددة وفورية، كما تم الإشارة إليه أساساً، بينما يجعل تنفيذ المقابل الإسرائيلي مؤجلاً ومشروطاً ومحتملاً. وهذا ليس مجرد إختلاف في ترتيب التنفيذ، بل هو إعادة صياغة للعلاقة القانونية بين الطرفين، على نحوٍ قد يؤدي، إذا ما تمت قراءته في ضؤ نتائجه العملية، إلى إضعاف المركز القانوني للبنان وإلى تحويل الوجود الإسرائيلي من حالة يفترض أن تكون غير مشروعة إلى حالة يُربط إنتهاؤها بتقدير مدى وفاء لبنان بإلتزاماته، وتبرير وجود جيش عدو محتل على الأراضي اللبنانية بترخيص من الحكومة اللبنانية يغطي هذا الوجود اللاشرعي والمنتهك للسيادة الوطنية.
كما إن أكثر ما يستحق التوقف عنده في هذه المذكرة ليس مضمونها فحسب، بل توقيتها وشجاعة صاحبها. ففي الوقت الذي كان المنتظر فيه أن يتسابق رجال الدستور والقانون والسياسة إلى إخضاع هذا الإتفاق، لأدق صور التدقيق والتحليل والتعليق والاسيتنكار، وإتخاذ موقف سلبي بشأنه، خيّم صمت يكاد يكون شاملاً أو صدرت مواقف عامة لم تلامس جوهر النصوص ولا ما يمكن أن تنتجه من آثار قانونية وسيادية. وكأن أخطر وثيقة يمكن أن تمس مستقبل لبنان قد مرت على أكثر المسؤولين مروراً عابراً، إنحصر في مواقف سلبية او ايجابية من بعض المتكسبين او المنتفعين، بهدف التقرب او معاداة السلطة االتنفيذية القائمة بمشروع الإتفاق وفقاً لواقع إنتماءاتهم، دون أن تستفز هذه الوثيقة او تدفع الى واجب السؤال او الاستنكار، إنطلاقاً من الحس الوطني الذي ينتج عنه على الأقل واجب التحذير.
مع الإشارة الى أن التاريخ السياسي للبنان عرف رجالاً إختلفوا في الخيارات، لكنه لم يبخل عليهم بالإعتراف لهم بصحة تحليلاتهم، حين أثبتت الأيام صحة قراءتهم للأحداث. واليوم يسجل السيد وليد جنبلاط لنفسه موقفاً ينسجم مع هذا التقليد، إذ لم يقرأ الإتفاق بعين السياسي الباحث عن مكسب ظرفي، بل بعين رجل الدولة الذي يدرك أن التفريط يبدأ غالباً من نص قانوني يبدو في ظاهره مطمئناً، فيما يخفي في داخله تحولات عميقة في موازين الحقوق والواجبات لا يستشفها إلا الراسخين في العلم السياسي والوطني.
ولعل المؤلم في المشهد اللبناني، أن هذه المذكرة ربما كشفت من حيث لا تقصد، تقصيراً كبيراً وواسعاً في أداء الطبقة السياسية التي لا تبغي في نشاطها السياسي إلا الربح والخسارة، وهو ما يقع في حسابات العمل التجاري، لا في ما يندرج في مفهوم الشرف والحس الوطني. فبدلاً من أن ينصرف المسؤولون والمرجعيات المعنية إلى دراسة الإتفاق ومدى مقاربته للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء على الصعيد الدولي، وكذلك الأمر بالنسبة للسيادة الوطنية وإتخاذ موقفاً واضحاً بشأنه. بدا وكأن كثيرين منهم إكتفوا بقراءة عابرة لعناوينه دون الغوص في عمقه ومداه، بينما إنفرد شخص مميز ببعد رؤياه وحسه الوطني المرهف كما تقدم، ليقرأ فيه ما بين السطور. فالسياسة ليست ترداداً للشعارات، بل هي القدرة على إستبصار النتائج قبل وقوعها. وهذه هي الميزة التي طبعت المذكرة للسيد جنبلاط، الذي قد يختلف اللبنانيون معه في السياسة، وهذا حق من حقوقهم الطبيعية في الأنظمة الديمقراطية. لكن الإنصاف يفرض الإعتراف بأن موقفه في هذه المسألة إرتقى الى مستوى المسؤولية الوطنية، بحيث أعاد توجيه النقاش الى السؤال الحقيقي: ماذا سيبقى من سيادة الدولة إذا أصبحت نهاية وجود القوات الأجنبية المحتلة على أرضها رهناً بتنفيذ إلتزامات تُفسّر وتراقب وتُقدر وفق آليات يحددها الإتفاق نفسه؟ فالأوطان لا تضيع فجأةً، بل تبدأ خسائرها عندما يغيب من يقرأ المخاطر قبل وقوعها، وعندا يصمت أصحاب المسؤولية في اللحظة التي يكون الكلام فيها واجباً وطنياً ونداءً لحماية السيادة من شر من لا يعرف معناها أو يتجاهله لغايةٍ في نفس يعقوب ولمن لا يحسن ترسيم مستقبله الوطني.
- التزامات غير قابلة للفسخ سنوياً: بسبب عدم تحديد مدة زمنية في الوثيقة الموقعة. الأمر الذي يجعلها متسمة بالطابع المرحلي الطويل، بدليل إنشاء آليات دائمة للتنفيذ والتحقق.
وما دام الإتفاق هذا يرتب إلتزامات تمس السيادة الداخلية والخارجية للدولة اللبنانية، وتؤسس لترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد، فإنه يندرج ضمن الفئة التي تستوجب موافقة مجلس النواب سنداً للمادة 52 من الدستور اللبناني، وهي قاعدة آمرة لا يجوز لأيٍ كان التنكر لها. كما لا يمكن الإلتفاف عليها عبر تسميته إتفاق إطار أو غيرذلك، بينما هو في حقيقته وطبيعته القانونية معاهدة دولية.
وقد أجمع الفقه والإجتهاد الدوليين، وعلى ضؤ القانون الدولي، أنه لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تحدد وحدها الطبيعة القانونية للإلتزام الدولي بما يعفيه من الرقابة الدستورية،
وبما أن التسمية لا تحسم طبيعة الموضوع كما تبين، والإرادة الشكلية لا تكفي لتغيير هذه الطبيعة القانونية للإتفاقية، لأن العبرة كما تبين لنا آنفاً هي في الآثار الناتجة عن الفعل الإتفاقي وطبيعته، لا تسميته،
وبما أن هذا الأمر لم يقتصر على الفقه والإجتهاد الدستوريين، بل عمد مجلس الدولة الفرنسي في هذا الصدد إلى إعتماد مبدأ إعادة التكييف القانوني للتصرفات الإدارية Requalification des actes ، بإعتبار أن الجهة المختصة أو القاضي، غير ملزمين بالوصف أو التسمية التي يطلقها الأطراف على التصرف، بل البحث في حقيقته القانونية وآثاره الفعلية كما أسلفنا، على قاعدة أن القاضي مثلاً غير مقيد بالتكييف الذي يُسبغه الأطراف على تصرفهم، بل يمنحه التكييف الذي ينطبق على القانون
Le juge n’est pas lié par la qualification donnée par les parties
وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في العديد من قرارتها بأن على المحكمة أن تحدد الطبيعة القانونية للصك وفق نصوصه ونية الاطراف
The Court must determine the legal nature of an instrument by its terms and the intention of parties
وبصورة موجزة لهذا الأمر، يتعين إعادة التأكيد أن هذا الإتفاق مهما تمت تسميته، يُنشىء إلتزامات دولية فعلية وبدون تحديد للمدة الزمنية كما تم بيانه أعلاه، فلا يمكن من الناحية الدستورية إعتباره مجرد إتفاق إطار، بل يندرج ضمن فئة المعاهدات التي تستوجب عرضها على مجلس النواب سنداً لمضمون المادة 52 من الدستور، ولما تبين لنا أعلاه.
وعلى هذا الأساس المتقدم ذكره نستخلص ما يأتي:
*- تُعد الإتفاقات الدولية من أخطر العمليات القانونية التي تمارسها الدولة. لأنها لا تقتصر على إنشاء التزامات خارجية في مواجهة الدول الأخرى فقط، بل قد تمسّ في جوهرها عناصر السيادة الوطنية واختصاصات السلطات الدستورية الأخرى في الدولة وحقوق شعبها. لذلك لم يترك النظام الدستوري الحديث مسألة إبرام المعاهدات الدولية للإرادة المنفردة للسلطة التنفيذية، بل أخضعها لشروط وضوابط تكفل إحترام مبدأ سيادة القانون وسموالدستور.
ويبرز هذا الأمر بصورة خاصة بالنسبة الى ما سمي ب:
" الاتفاق الإطاري " المتعلق بالعلاقات اللبنانية- الإسرائيلية، نظراً لإرتباطه بمسائل تتجاوز التعاون التقني او الترتيبات الإجرائية، لتطال وقف الأعمال العدائية، والإلتزامات المتبادلة، ومسائل ذات صلة بالسيادة الوطنية والأمن والحقوق الداخلية والدولية معاً.
*- إن تسمية وثيقة دولية بأنها " إطار إتفاق " أو تفاهم او إعلان مبادىء او نوايا، لا تكفي وحدها لتحديد طبيعتها القانونية، إذ أن القاعدة المستقرة في القانون الدولي والفقه الدولي، ومحكمة العدل الدولية، ( كما تبين لنا آنفاً ) ، هي أن العبرة بحقيقة الإلتزامات التي تتضمنها الوثيقة لا بعنوانها الذي إختاره أطرافها. فالإتفاق الذي يُنشىء التزامات آنية متبادلة محددة بين الدول قد يكتسب أرجحية طبيعته بتصنيفه معاهدة لا اتفاق، ولو لم يُسمّ كذلك.
ومن هنا تطرح الإشكالية التالية:
*- هل يُشكّل الإطار الإتفاقي المذكور بين لبنان و" إسرائيل" تخصيصاً، وبصرف النظر عما ورد أعلاه بصورةٍ عامة وخاصة، مجرد تفاهم سياسي لا يرّتب آثاراً قاتونية، أم أنه يمثل إتفاقاً دولياً ملزماً يخضع للأصول الدستورية اللبنانية المتعلقة بإبرام المعاهدات ؟
وبالتالي يكون الجواب على هذا البحث في أربعة مسائل أساسية وهي:
أولاً- الطبيعة القانونية للإطار الإتفاقي: بين التفاهم السياسي، والإتفاق الدولي الملزم:
- مبدأ العبرة في المضمون لا بالتسمية: من المبادىء المستقرة في القانون الدولي، وكما تبين لنا آنفاً، أن تحديد الطبيعة القانونية لأي وثيقة دولية لا يتوقف على الشكل او الإسم الذي يمنحه لها الأطراف، وإنما على مضمونها وما يحتويه، وعلى نية الأطراف في إنشاء حقوق وإلتزامات قانونية.
وقد كرّست إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، ( بالمادة 2 كما ورد حرفياً أعلاه) هذا المفهوم عندما عرّفت المعاهدة بأنها:
" إتفاق دولي يُعقد بين الدول كتابًةً، ويخضع للقانون الدولي، سواءً ورد في وثيقة واحدة أو في أكثر من وثيقة مترابطة، وأياً كانت تسميته. فالعنصر الحاسم هنا ليس الوثيقة، وإنما توفر ثلاثة عناصر فيها:
- وجود اتفاق بين اشخاص القانون الدولي
- إتجاه الإرادة الى إنشاء التزامات قانونية.
- خضوع هذه الإلتزامات للقانون الدولي.
وعليه، فإن إستعمال عبارة Framework لا يعني بالضرورة أنه كذلك.
- التمييز بين الإتفاق السياسي والمعاهدة الدولية: فالتفرقة كما تبين لنا اعلاه، أنه بين الإتفاق السياسي والإتفاق الدولي الملزم، لا ترتبط المسألة على الشكل الخارجي للوثيقة ، بل على طبيعة الإلتزامات التي ترتبها وعلى مدى إتجاه إرادة الأطراف ونيتهم لإنتاج آثار قانونية.
فالبيانات السياسية المشتركة، وإعلانات النوايا، وخطط العمل غير الملزمة، قد تعبّر عن موقف سياسي أو رغبة مستقبلية في التعاون من دون أن تنشىء التزامات قانونية قابلة للمطالبة او التنفيذ.
أما الإتفاق الدولي الملزم، فيقوم عندما تتجه إرادة الدول الى إنشاء علاقة قانونية محددة بحيث يصبح الإخلال الناشئ عنه موجباً للمساءلة وفق قواعد القانون الدولي.
وقد أكّد الفقه الدولي هذا المعيار، حيث يرى الفقيه Brownlie أن نية إنشاء علاقات قانونية هي العنصر الأساسي في تحديد ما إذا كان الإتفاق الدولي ملزماً قانوناً
The intention to create legal relations is the essential element in determining whether an international agreement is legally binding
وبالتالي فإن الوثيقة التي تنص على ما معناه: تلتزم الأطراف
( Commit ) ، تتعهد الأطراف (Pledge )، توافق الأطراف، ( Agree ) ، تختلف بطبيعتها عن إعلان سياسي يستخدم مثل عبارات: تأمل الأطراف، تسعى الأطراف، تعّبر الأطراف عن رغبتها.... . فاللغة القانونية المستخدمة في الوثيقة تشكّل قرينة على قصد الأطراف، وإن كانت لا تكفي وحدها بمعزل عن مضمون الإلتزامات.
- تطبيق هذه المعايير على الإطار الإتفاقي اللبناني – الإسرائيلي: إن قراءة مضمون الإطار الإتفاقي تكشف أنه لا يقتصر على إعلان مبادىء، بل يتضمن مجموعة من الإلتزامات المتبادلة ومنها: الإلتزام بوقف النار،العمل على إنشاء علاقة أكثر إستقراراً بين الطرفين، إتخاذ إجراءات تهدف الى إظهار حسن النية، التعاون في مسائل ذات طابع إنساني، ومنها البحث عن الرفات والإفراج عن المحتجزين. وهذه العناصر تثير مسألة قانونية جوهرية هي أننا امام إلتزامات دولية ذات طبيعة قانونية أكثر من أننا أمام مجرد تدابير سياسية مؤقتة . ذلك أن وصف الإطار قد يدل على أنه لا ينظم جميع التفاصيل النهائية، لكنه لا ينفي بالضرورة وجود التزامات قانونية في المجالات التي حُددت فيه. فالكثير من الإتفاقات الدولية قد تبدأ بإتفاق إطار عام، ثم تستكمل ببروتوكولات أو إتفاقات تنفيذية لاحقة.
وعليه فإن التكييف القانوني الصحيح، ومن حيث المبدأ، لا يكون بالقول أن كل اتفاق إطار غير ملزم ، ولا بالقول أن كل اتفاق اطار هو معاهدة مكتملة، بل يجب فحص كل بند على حدة لمعرفة مدى إنشائه لإلتزام دولي.
- أثر تعلق الإتفاق بمسائل السيادة والسلام: تزداد أهمية التكييف القانوني عندما يتعلق الإتفاق بمسائل تدخل في صميم إختصاص الدولة، ولا سيما: السلم والحرب، الحدود، العلاقات، خاصةً مع دولة معادية،الإلتزامات التي تحد من حرية الدولة في ممارسة حقوقها السيادية. وهنا يحضرنا قول العلامة الفرنسي Montesquieu بأن السيادة غير قابلة للتنازل
La souverainté est inaliénable
فالدولة لا تمارس سيادتها فقط في مواجهة الخارج، بل تمارسهاأيضاً من خلال إحترام القواعد الدستورية التي تحدد من يملك صلاحية التعبير عن إرادتها الدولية ومن البديهي القول أنه بالفعل لا يحق للحاكم التنازل عنها لأنها ليست ملكه أساساً، وإنما هي أمانة برقبته.
وهنا يبرز مبدأ أساسي في القانون الدستوري المقارن، وهو أن السلطة التنفيذية، وإن كانت تملك إدارة العلاقات الخارجية، إلا لأنها لا تملك أن تتجاوز القيود الدستورية عندما يؤدي العمل الدولي الى ترتيب التزامات تمس النظام السياسي او الحقوق الأساسية للدولة. وقد عبّر الفقيه النمساوي Hans kelsen عن مركزية الدستور في النظام القانوني بقوله أن الدستور هو ألأعلى مرتبة في القانون الوضعي
The Constitution is the highest level of positive law
ومن ثم، فإن أي التزام دولي لا يمكن ان ينتج آثاره الداخلية الا ضمن الإطار الذي يسمح به الدستور الوطني.
يستنتج من كل ما تقدم، وعلى ضؤ ما ورد بهذا الشأن، ما يلي:
- - ثبُت أنه وفقاً للقانون الدولي، والفقه والإجتهاد الدوليين، وأيضاً الدستور اللبناني، أن موضوع الإتفاق ونية أطرافه، يتجاوز بكثير ما يفهم عادةً بأنه مصطلح اتفاق إطار. فالوثيقة المشار اليها لا تقتصر على إعلان مبادىء، أو تحديد منهج للتفاوض، بل تُنشىء حقوقاً والتزامات متقابلة، وتدابير عملياتية، وتضع آليات تنفيذ ومتابعة، وتتناول وسائل تمّس جوهر سيادة الدولة، وسلامة إقليمها وأراضيها، وحدودها الدولية، وإنتشار قواتها، والتزاماتها السياسية والقانونية، وشؤونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، والأسوأ من ذلك كله بالنسبة الى لبنان، القبول بجيش محتل داخل الأراضي اللبنانية يراقب ويتحقق من تنفيذ جيشها الوطني لمضامين هذا الإتفاق، وهو أمر يطعن الكرامة الوطنية في الصميم. ووفقاً لقواعد القانون الدولي والوطني، والواقع، تتعدى إذن الإتفاقية مفهوم " الإتفاق الإطار" الى معاهدة دولية لما تتضمنه من آثار قانونية مترتبة عن تلك الإلتزامات التي تضمنها هذا الإتفاق.
- ينتج مما تقدم أن هذا الإتفاق يستوفي من حيث مضمونه وآثاره، الخصائص الجوهرية للمعاهدة الدولية، ولذلك يخضع للأحكام الدستورية التي تنّظم إبرام المعاهدات والموافقة عليها نظرياً وعملياً لأهمية آثارها، ولا يمكن الإكتفاء بوصفه "إتفاقاً إطارياً" لتفادي الضمانات الدستورية التي فرضها الدستور.
ثالثاً- لما كان الإتفاق يمّس السيادة الداخلية للبنان، وسيادته الخارجية أيضاً، ويرتبط بالحدود والإنسحاب الى الحدود اللبنانية الدولية المعترف بها لدى المنظمات الدولية منذ العام 1923 كما تبين لنا، والذي لم يأتِ على ذكره الإتفاق المشار اليه، كما وإعادة إنتشار الجيش الإسرائيلي وتموضعه داخل الأراضي اللبنانية، أهو داخل لبنان، أم لخارج الحدود اللبنانية الدولية، بالإضافة الى الترتيبات الأمنية ، والإلتزامات المتصلة بالسلم والعلاقات الدولية. فإنه يدخل لكل هذه الأسباب مجتمعة في نطاق الإتفاقات التي يوجب الدستور اللبناني إخضاعها للإجراءات الدستورية المقررة، بما في ذلك موافقة مجلس النواب بعد ابرامها من مجلس الوزراء، في حال حصول هذا الإبرام، لأن موضوعها من الحالات التي نص الدستور على وجوب عرضها عليه,
- في ضؤ ما تقدم، وعلى ضؤ توقيع الإتفاق من قبل مفوّضين تبين إعلامياً فقط حدود تفويضهم، الأمر الذي يتعين معه بعد التوقيع عليه من قِبل المفوضين بالتوقيع، العودة الى مجلس الوزراء لإعطائه مفاعيله القانونية بإبرامه،
وبما أنه في هذه الحالة، أي فترة المفاوضة والتوقيع، يبقى الحق الكامل لرئيس الجمهورية المفاوضة سنداً للمادة 52 من الدستور التي تُميز بين مراحلٍ ثلاثة للموضوع، وهي:
*- مرحلة التفاوض ( Negotiation )
- - مرحلة التوقيع ( Signature )
*- مرحلة الإبرام ( Conclusion/ Ratification ) وفقاً لنوع الإتفاق.
وهذا التمييز ليس شكلياً، لما يترتب عليه من آثار قانونية مختلفة نتائجها وفقاً لما سيلي بيانه من التساؤلات التالية:
- ما الذي يملكه رئيس الجمهورية وحده قانوناً:
تنص المادة 52 من الدستور على ان رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة، وبعد موافقة مجلس الوزراء، وهذا النص يعني أن رئيس الجمهورية هو منفرداً صاحب الإختصاص الدستوري في ادارة المفاوضات والتوقيع عليها، لكنه لا يملك منفرداً إدخال المعاهدة او الاتفاق في النظام القانوني اللبناني، بإعتبار ان التفاوض والتوقيع، لا يُنشئان، بحد ذاتهما، نفاذاً داخلياً.
وهذا ما يميز القانون الدستوري اللبناني عن بعض الأنظمة الأخرى، التي تجعل مجرد التوقيع كافياً لتُدخل المعاهدة او الإتفاقية حيّز التنفيذ ومعمولً بها.
- ما هو المركز القانوني للإتفاق بين التوقيع والإبرام:
الفقه الدولي وصف الحالة ما بين التوقيع والإبرام بأنها إتفاق موقّع، لكنه غير نافذ قانوناً،
وهو في الواقع كذلك، لأنه إتفاق موجود من الناحية الواقعية، لكنه لم يولد بعد من الناحية القانونية سنداً للمادة 52 المذكورة. ويكون والحالة هذه، عمل تمهيدي أو تحضيري ( Acte préparatoire )، وليس عملاً نافذاً وناجزاً، وبالتالي، وما دام أنه في هذا الطور، لا يمكن أن يكون مصدراً للحقوق والإلتزامات، إلا بعد إستكماله بصيروريته نافذاً بعد إستكمال الإجراءات المحددة دستورياً وفقاً لما سبق بيانه.
- ما هو الوضع بالنسبة للقانون الدولي وعلى الصعيد الداخلي اللبناني:
- على الصعيد الدولي : تنص المادة 18 من إتفاقية فيينا لقانون فيينا للمعاهدات للعام 1969، على أن الدولة التي وقعت معاهدة يجب أن تمتنع عن الأعمال التي تُحبط موضوعها قبل ان تُعلن عدم نيتها ان تصبح طرفاً فيها.
والفرق هنا ان المادة 18 المذكورة لا تقول ان المعاهدة أصبحت نافذة. ولكنها في ذات الوقت لا تقول أن أحكامها بعد التوقيع واجبة التنفيذ، وإنما تفرض واجباً سلبياً على الأطراف، وهو الإمتناع عن إفشال غرض المعاهدة او الإتفاق، وهو أمر مختلف تماماً عن التنفيذ.
- أما على الصعيد اللبناني: فالوضع مختلف. ذلك أن الدستور هو الذي يحدد نصاً متى تصبح فيه المعاهدة او الإتفاق جزأً من القانون الداخلي، وفقاً لما حددته المادة 52 منه.
وعليه فإن ما قبل الإبرام، وصدور قرار مجلس الوزراء بالموافقة على الوثيقة الموقعة أصولاً
( وفي الحالات التي تقتصر على ما تستوجبه المادة 52 المذكورة) بالإضافة الى مصادقة مجلس النواب عندما يستوجب الأمر ذلك)، تبقى الوثيقة غير نافذة داخلياً، ولا يجوز بأي شكلٍ من الأشكال البناء عليها، إلا بعد إستكمال تدرجاً كافة متطلباتها المفروضة كما حدده الدستور.
4 – هل يجوز البدء بتنفيذها قبل الإبرام، وما هو الوصف القانوني لأي تنفيذ سابق للإبرام؟:
دستورياً وفقهياً لا يجوز البدء بالتنفيذ، لان التنفيذ يفترض ويستلزم وجود التزام نافذ. أما إذا لم تدخل المعاهدة او الإتفاقية في النظام القانوني اللبناني فإن الادارة اللبنانية لا تستطيع أن تستمد منها أي إختصاص، فالسلطة التنفيذية لا يجوز ان تنفذ إلتزاماً لم يولد دستورياً بعد،
أما لجهة الوصف القانوني، فهناك إحتمالين:
- الأول: أنه إذا كان التنفيذ مجرد أعمال تحضيرية، كإجتماعات، أو تبادل معلومات، أو تشكيل لجان، فيمكن إعتباره من مستلزمات التفاوض.
- الثاني: أما إذا كان التنفيذ يتضمن : إنشاء إالتزامات، تنفيذ بنود الإتفاق، تعديل مراكز قانونية، تسليم أشخاص، إنشاء مناطق، إلتزامات أمنية، كما هو حاصل في الإتفاق موضوع البحث. فإن الأمر هنا يختلف كلياً، لأن هذه الأعمال لا تستند إلى إتفاق نافذ، فتكون فاقدة لسندها الدستوري.
5 – النتيجة المستخلصة مما تقدم على الإتفاق اللبناني- الإسرائيلي:
إذا كان الإتفاق قد إقترن بالتنفيذ عملياً قبل موافقة مجلس الوزراء، او قبل إكتمال إجراءات الإبرام او التصديق المفروضة دستورياً، فالسؤال عندها لا يعود هل الإتفاق صحيح، وإنما يصبح: هل يجوز دستورياً للإدارة أن تستند في أعمالها ونشاطها الى إتفاق لم يولد بعد قانوناً ؟ والجواب طبعاً هو بالنفي. لأن التنفيذ لا يسبق الإبرام، بل الإبرام هو الذي يجيز فتح باب التنفيذ. وهذه قاعدة بديهية في القانون وخاصة في القانون العام. فالقرار الإداري لا ينفذ قبل صدوره وسريانه، والقانون لا ينفذ قبل نشره او سريانه أيضاً. وكذلك المعاهدة او الاتفاق لا ينفذ قبل دخوله حيّز النفاذ وفقاً لما هو محدد دستورياً. فالفترة الواقعة بين التوقيع والإبرام هي فترة ) تعليق دستوري suspensive Constitutional Phase ) ، تكون فيها الوثيقة موجودة فعلاً، لكنها لم تكتسب بعد قوتها الإلزامية التنفيذية الداخلية، إلا بعد إستكمال إجراءاتها المفروضة قانوناً.
وطالما أنه لم يتبين أن السلطة التنفيذية قد وافقت على هذه الوثيقة اصولا وإبرامها بقرار صادرٍ عنها وفقاً للأصول، وما إذا كان ذلك كافياً لإكسابها صفة النفاذ في النظام القانوني اللبناني، لأن الشرعية الدستورية لا تقوم على الإرادة السياسية المجردة، بل على إحترام الأسس الدستورية من خلال إحترام تسلسل الإختصاصات التي رسمها الدستور. ومن ثم فإن تنفيذ الإتفاق قبل إستكمال هذه الإجراءات يتعارض مع إشكالية عدم نفاذه دستورياً، والإحتجاج بذلك.
6 - من خلال بنود الإتفاق مجتمعة، تبين أن الإلتزامات الملقاة على عاتق لبنان، هي إلتزامات مباشرة ومتتابعة، في حين أن عدداً من الإلتزامات المقابلة يبقى مرتبطاً بآليات لاحقة او معلقة على تقدير لاحق بظروف التنفيذ، الأمر الذي يؤدي الى عدم توازن نسبي في توقيت الإلتزامات وآثارها، مما يجعل الكفة تميل في صورتها الحالية والواقعية، لمصلحة "اسرائيل"، أكثر بكثير مما تميل الى مصلحة لبنان.
وإنطلاقاً مما تقدم، ننتهي إلى أن الإتفاق موضوع هذه الدراسة، هو في حقيقته القانونية، معاهدة دولية، تتعلق بممارسة الدولة لسيادتها، ولحفظ حدودها الدولية، وبالتزاماتها الدولية أيضاً، وبعلاقاتها الخارجية ، كما يفترض أن تكون هذه الممارسة تحت سقف القانون، لا فوقه، أو بخلافه، مما يوجب معه القول أن هذه المعاهدة او الوثيقة لا تكتسب قوة النفاذ القانوني ، وفقاً للنظام القانوني اللبناني ، إلا بعد إستكمال الإجراءات الدستورية الواجبة ، وفي مقدمتها كما تقدم ذكره، موافقة مجلس النواب في حالتنا هذه. وإن أي إتجاه او تدبير يتعارض مع ما تقدم يكون مخالفاً للقانون والدستور، لعدم إنسجامه مع ما قرره الدستور ونصوصه، مع أنه القانون الأساسي والأسمى. ويكون بالتالي أي تصرف آخر لا ينسجم مع مبدأ المشروعية، ومع القواعد العامة التي تحكم إبرام المعاهدات الدولية في الدولة الدستورية. الأمر الذي يضعه في خانة عدم المشروعية القانونية، والذي يوجب معه:
- بيان المركز القانوني للإتفاق الدولي بين التوقيع والإبرام،وأثره على مشروعية التنفيذ:
الحقيقة، وكما ورد أعلاه، أن الدستور اللبناني ميّز في المادة 52 منه، تمييزاً دقيقاً بين المفاوضة والتوقيع والأبرام، وهو تمييز لا يجوز إعتباره مجرد ترتيب إجرائي، بل يعبّر عن مراحل دستورية متعاقبة يترتب على كلٍ منها أثر قانوني مستقل ومختلف. فالمفاوضة بدايةً تمثّل مرحلة تكوين الارادة السياسية، والتوقيع يثبت إنتهاء التفاوض وإعتماد النص من حيث المبدأ. أما الإبرام فهو التصرف الدستوري الذي تنشأ به القوة القانونية للإتفاق داخل النظام القانوني اللبناني، وفق الأصول التي رسمها الدستور، ما لم يستوجب موضوع الإتفاق التصديق عليه من السلطة التشريعية عندما يستوجب الأمر ذلك موضوعياً وبالتالي دستورياً.
ومن ثم فإن الإتفاق الموقّع لا يكتسب بمجرد التوقيع عليه صفة الإلزام الداخلي، لأن الدستور لم يجعل التوقيع مرادفاً للإبرام أو التنفيذ، بل جعله مرحلة سابقة عليه. ويترتب على ذلك أن الفترة الواقعة بين التوقيع والإبرام ليست فراغاً قانونياً، وإنما هي مرحلة إنتقالية ذات طبيعة دستورية خاصة، يكون فيها الإتفاق قائماً من حيث الوجود المادي، لكنه لم يبلغ بعد مرتبة النفاذ الداخلي التي تجيز الإستناد إليه مصدراً للحقوق والإلتزامات.
ويجد هذا التحليل سنده القانوني في أحكام إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969. فالمادة 18 منها، وكما ذكرنا، لا تنشىء التزاماً بتنفيذ المعاهدة أو الإتفاق بعد التوقيع، وإنما تفرض على الدولة واجباً سلبياً، يتمثل في الإمتناع عن الأعمال التي تحبط موضوع المعاهدة وغرضها. وقد جاء نصها صريحاً واضحاً في وجوب الإمتناع عن الإحباط ( A state is obliged to refrain from acts which would defeat the object and purpose of treaty ) ، دون أن يرتّب واجباً إيجابياً بتنفيذ أحكام المعاهدة قبل دخولها حيّز التنفيذ، سواءً بالإبرام من قبل مجلس الوزراء او بالتصديق من السلطة التشريعية وفقاً لواقع حالها.
ويتعزز هذا الفهم او الوضع بالمادة 24 من اتفاقية فيينا المشار اليها التي تقرر بموجبها أن المعاهدة " تدخل حيّز النفاذ بالطريقة وفي التاريخ اللذين تنص عليهما او يتفق عليها الاطراف(A treaty enters into force in such manner and upon such date as it may provide or as the negotiating States may agree) ،
وبالنسبة للجمهورية اللبنانية فإن "الطريقة" التي يعتد بها القانون الدولي لا يمكن فصلها عن أحكام المادة 52 من الدستور، لأن الدستور هو الذي يحدد كيفية التعبير الصحيح عن رضا الدولة بالإلتزام النهائي .ذلك أن مشروعية أي عمل لها هو في تطبيق هذه المشروعية على أفعالها وأعمالها داخلياً وخارجياً.
يؤكد ما تقدم أيضاً، ما نصّت عليه المادة 26 من اتفاقية فيينا ذاتها التي تقرر بموجبها " ان كل معاهدة نافذة تكون ملزمة لأطرافها ويجب تنفيذها بحسن نية
( every treaty in force is binding upon the parties to it and must be performed by them in good faith )
والملاحظ هنا ان الاتفاقية لم تستخدم عبارة " كل معاهدة موقّعة " بل استخدمت " كل معاهدة نافذة" ، الأمر الذي يدل دلالة واضحة وقاطعة على ان مبدأ العقد شريعة المتعاقدين ( Pacta sunt servanda ) لا يبدأ بمجرد التوقيع، وإنما يبدأ بعد تحقق شرط النفاذ، خاصةً وأن هذا المبدأ وفقاً لقاعدته الفقهية له تكملة، تم وبصورة عامة، إهمال إستعمالها أو الإشارة اليها وهي " العقد شريعة المتعاقدين في كل ما لم يصادم نصاً"، فالإتفاقية النافذة، وليس الموقعة فقط، هي المعمول بها على ضؤ أحكام المادة 26 المذكورة.
ويكتسب هذا الاستنتاج أهمية أكبر على ضؤ أحكام المادة 46 من اتفاقية فيينا، التي إعترفت صراحةً بأن قواعد القانون الداخلي المتعلقة بالإختصاص في إبرام المعاهدات قد تكون من القواعد ذات الأهمية الأساسية، بحيث يجوز للدولة التمسك بمخالفتها اذا كانت المخالفة ظاهرة. وذلك يعني، أن القانون الدولي ذاته لا يعد قواعد الإختصاص الدستوري الداخلي في إبرام المعاهدات مسائل شكلية عديمة الأثر، بل يقر بأهميتها في تكوين الإرادة القانونية الصحيحة للدولة. وينتج عن ما تقدم، أن السلطة التنفيذية، وإن كانت تملك إدارة العلاقات الخارجية، إلا أنها لا تملك أن تتجاوز القيود الدستورية عندما يؤدي العمل الدولي الى ترتيب إلتزامات تمّس النظام السياسي أو الحقوق الأساسية للدولة. مما ينتج عنه أنه لا يكفي أن تكون هناك إرادة سياسية لدى بعض ممثلي الدولة لكي تنشأ إلتزامات دستورية داخلية، بل يجب أن تكون هذه الإرادة قد عبّرت عنها السلطة التي خوّلها الدستور هذا الإختصاص. والمادة 52 من الدستور اللبناني حددت مراحل المفاوضة والإبرام والتصديق.
ويتفق هذا كله مع المبادىء المستقرة في الفقه العام. فقد قرر Hans KELSEN ، أن صلاحية أي قاعدة قانونية تستمد قانونيتها من قاعدة أعلى منها، ومن ثم فإن الإتفاق لا يكتسب قوته القانونية الداخلية إلا إذا إستوفى الشروط التي فرضها الدستور، بوصفه القاعدة الأعلى في النظام القانوني الوطني. وقد عبّر عن هذا الفقيه النمساوي المشار اليه KELSEN فيما يعود لمركزية الدستور في النظام القانوني بقوله:
The constitution is the highest level of positive law
كما قرر Georges VEDEL أن " الإختصاص هو مقياس السلطة ".
La compétence est la mesure du pouvoir
بما مؤداه ان السلطة التنفيذية لا تملك ممارسة اختصاص لم يمنحه لها الدستور،
وذهب Jean Rivero الى ان الادارة تخضع خضوعاً كاملاً لمبدأ المشروعية، فلا يجوز لها أن تنشىء لنفسها إختصاصاً لم يقرره القانون لها.
كما ويفضي مجموع هذه النصوص والمبادىء الى نتيجة واحدة لا يظهر أنها تثير خلافاً في الفقه العام، وهي أن التوقيع لا يُنشىء بذاته سلطة التنفيذ، وإنما ينشىء مرحلة قانونية انتقالية يظل فيها الاتفاق قيد التعليق الى ان تستكمل اجراءات الإبرام التي يفرضها الدستور اللبناني. وخلال هذه المرحلة يقتصر التزام الدولة على عدم احباط موضوع الاتفاق، دون ان يترتب عليها واجب تنفيذ احكامه او اتخاذ اجراءات تنفيذية تستند اليه وحده.
وعليه، فإن أي عمل اداري او تنظيمي او تنفيذي يُتخذ إستناداً مباشرة الى اتفاق لم يكتسب بعد قوة النفاذ الداخلي، يكون مجرداً من السند الدستوري الذي يبرر وجوده، لأن المشروعية لا تقوم على وجود النص بحد ذاته، وإنما علىى إكتسابه القوة القانونية التي خوّلها له الدستور. ومن ثم فإن أي تنفيذ سابق للإبرام لا يمثل مخالفة إجرائية فقط ، بل يثير مسألة إنعدام السند القانوني وتجاوز الإختصاص الدستوري، ما دام أن مصدر السلطة التنفيذية في هذا المجال هو الدستور، لا الإتفاق الذي لم يكتمل نفاذه بعد.
فالإتفاق، بصيغته الحالية إذن، لا يقوم على تبادل إلتزامات متقابلة، بل على تسلسل إلتزامات يجعل تنفيذ الإلتزامات اللبنانية شرطاً عملياً لتفعيل الإلتزام الإسرائيلي بالإنسحاب، ولذلك فإن عدم التماثل فيه ليس عدم تماثل في مقدار الإلتزامات فحسب، بل في توقيتها، وفي شروط إستحقاقاتها، وفي مخاطر عدم تنفيذها، وفي مركز كل طرف تجاه عملية التحقق.
ومن الناحية السياسية، هذه الصيغة تضع لبنان في موقع الطرف الذي يجب أن يثبت بصورة متكررة أنه نفّذ فيما يبقىالإنسحاب الإسرائيلي نتيجة لاحقة مرتبطة بهذا الإثبات. وهذه الوضعية تشكّل الجانب الأخطر على لبنان في الإتفاق كله. والأهم، أنه لا ينبغي أن نستنتج من ذلك تلقائياً أن الإتفاق غير مشروع أو أن "إسرائيل" إكتسبت حقاً قانونياً في البقاء على الأراضي اللبنانية، وهذا الأمر يتعلق لبحث مستقل في موضوع الإحتلال، ومبدأ عدم جواز إكتساب الإقليم بالقوة. والقانون الدولي الإنساني، وقواعد تفسير المعاهدات، ولا سيما العلاقة بين الشرط المعلّق والإلتزام الدولي المستقل.
تأسيساً على ما تقدم، لا يسعني في النهاية إلا أن أتقدم بنداء الى ضمير الدولة اللبنانية بكل مواطنيها، وعلى وجه الخصوص الى ضمير كافة المسؤولين وعلى رأسهم فخامة رئيس الجمهورية، ودولة رئيس مجلس النواب، ودولة رئيس مجلس الوزراء، ومعالي الوزراء، وإلى نواب ألأمة، بل وإلى كل مسؤول أقسم أن يصون لبنان، وإلى كل حر، يؤمن بأن الوطن ليس أرضاً فحسب، بل رسالة وتاريخ وكرامة وعزة وعنفوان، بما يلي:
إن الأوطان لا تضيع فجأةً، وإنما تضيع عندما يصمت الشرفاء، أو عندما يعتاد الناس على التنازل عن حق بعد حق، حتى يصبح الإستثناء قاعدة، ويصبح التفريط بالقيم والحقوق أمراً مألوفاً،
ولقد أثبت التاريخ أن الدول لا تهزم دائماً بقوة أعدائها، بل كثيراً ما تهزم عندما يفقد أبناؤها الإيمان بواجبهم في الدفاع عنها، كلٌ من موقعه، وفي إطار الحق الدستور والقانون.
إن الأرض التي رويت بدماء الشهداء، ليست ملكاً لجيلٍ واحد، ولا لحكومةٍ واحدة، ولا لسلطة عابرة، وإنما هي أمانة في أعناق جميع اللبنانيين الشرفاء.
لقد دافع رجالٌ ونساء عن هذا الوطن بأرواحهم، ودفعوا أثمن ما يملك الإنسان ليبقى لبنان حراً وسيداً ومستقلاً، وليس من الوفاء لتضحياتهم أن يُفرّط بحقوق الوطن أو سيادته أو بمستقبله، عندما يثبت أن أي إلتزام أو إتفاق يمس هذه الثوابت. وعلى هذا الأساس قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
إذا عظّم البلاد بنوها أنزلتهم منازل الإجلال
توّجت مهامهم كما توجوها بكريمٍ من الثناء وعال
ذلك أن مجد رجل الدولة لا ينفصل عن ما يتركه لبلاده، والتاريخ لا يكرّم الإنسان لسلطته، بل لما صنعه لوطنه. لأن الأجيال اللاحقة ستحاكم أعمالنا كما نحاكم نحن أعمال من سبقونا. فالسياسي ليس مسؤولاً فقط أمام معاصريه، بل هو مسؤول أمام التاريخ، وهو ما أكّده Victor Hugo عندما وصف في قصيدةٍ له عنوانها Aux historiensقال فيها للمؤرخين إجعلوا الخونة موضع إشمئزازكم
Historiens, ayez les traîtres en dégoût
ثم قال بذات التوجه بأن مجرد مناقشة فعل الخائن يبرئه بشكلٍ مبهم
Discuter, c’est déjà l’absoudre vaguement
إن الدماء التي تحفظ الأوطان لا يجوز أن تستثمر لتبرير التفريط بها، بل لتأكيد أن ثمن الحرية كان دائماً أغلى من كل مكسبٍ عابر،
فليتذكّر كل مسؤول أن المنصب زائل، أما آثار القرار فتبقى لتصنيفه،
وليتذكّر أن التوقيع قد يستغرق دقائق، لكن الأمة قد تحمل نتائجه لعقود،
وأيضاً أن صفحات التاريخ لا تُكتب بالحبر وحده، بل تكتب أيضاً بالضمير والدم وبذل الذات في سبيل الوطن، وقد قال الفيلسوف الروماني Marcus Tillus Cicero ، بما معناه " لتكن سلامة الشعب القانون الأعلى
Salus populi suprema lex esto
وهذه العبارة ليست عبارة بلاغية، بل هي مبدأ دائم : فعندما تتعارض المصالح والضغوط أياً كانت، مع مصلحة الوطن، تكون مصلحة الوطن هي العليا.
وفي هذا السياق يحضرنا قول رئيس الولايات المتحدة Abraham LINCOLN من أنه يكاد كل إنسان يتحمل الشدائد، أما إذا أردت أن تختبر أخلاق الرجل، فأعطه سلطة
Nearly all men can stand adversity, but if you want to a test a man’s character, give him power
ذلك أن السلطة ليست إمتيازاً، وإنما هي إمتحانٌ للأمانة، كما قال العلامة Léon Duguit من أن الحكام ليسوا مالكي السلطة العامة، وإنما هم أمناؤها
Les gouvernants ne sont pas les propriétaires de la puissance publique, mais ils n’on sont que les dépositaires
كما عبّر الجنرال ديغول عن جوهر رجل الدولة بأن" المدرسة الحقيقية للقيادة هي المعرفة العامة"
La véritable école du commandement est la culture générale
ورجل الدولة هو من يوسّع أفق القرار ليشمل مستقبل الوطن ، لا حاضر السلطة.
كما أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالسلاح وحده، بل يكون أيضاً بالكلمة الصادقة، وبالضمير الحي لمن يمتلكه، وبإحترام الدستور، وبحماية السيادة، والتمسك بالحق، وبالعمل في إطار المؤسسات والقانون، فلا تسمحوا للخوف أن يكون بديلاً عن العنفوان الوطني والحرية، ولا للمصلحة الآنية أن تكون بديلاً عن المصلحة الوطنية، ولا للصمت أن يكون شريكاً في ضياع الحقوق. لأن الأوطان يحافظ عليها الرجال والنساء وأبناء الوطن جميعهم، الذين يضعون المصلحة العامة فوق مصالحهم، وفوق كل إعتبار، ويحرسون الدستور كما يحرس الجندي حدوده، ويصونون الدولة كما يصون الأب أبناءه. إذ سيأتي يوم يقف فيه كل صاحب قرار أمام محكمة التاريخ حيث لا نفوذ، ولا سلطة، ولا أعذار. وسيكون السؤال بسيطاً، ولكنه ثقيل وهو: عندما كان لبنان يحتاج إليك... ماذا فعلت. فإذا كان الجواب: صُنت الأمانة، فقد ربحت إحترام الأجيال وتقديرهم، وإن كان الجواب غير ذلك، فلن تمحو السنون ما دوّنه التاريخ وسجله لك من خزيٍ وعار ينال سلالتك حتى على مر التاريخ والعصور.
حفظ الله لبنان وطناً للحرية، ودولةً للحق، ودستوراً يُحتكم إليه، وسيادةً لا تساوم، وكرامةً لا تباع،
لأن لبنان ليس قطعة ارض نتوارثها من آبائنا، بل أمانةً نستعيرها من أبنائنا، وما السلطة إلا ولاية مؤقتة، أما الوطن فباقٍ بعد الجميع. فإذا تعارضت السلطة مع الوطن، وإذا تعارضت السياسة مع الدستور، إنتصر الدستور بإعتباره القانون الأساسي للوطن، وإذا تعارضت القوة مع الحق، إنتصر الحق، ولو بعد حين.
كما أنه بالنسبة الى الدستور اللبناني لم يمنح أي سلطة حق التصرف بالسيادة، بل حمّلها واجب صونها وبذل الغالي والرخيص في سبيل حمايتها، ولم يجعل من السلطة ممثلة لجيلٍ واحد، وإنما مؤتمنة على حقوق أجيال لم تولد بعد، وهو ما أكّده العميد Maurice HAURIOU أن" الدولة مؤسسة أُنشئت لتدوم"
L’État est une institution destinée à durer
ولا بد من الإشارة هنا ، أن هذه العبارة تعتبر من أعمق ما كتب في القانون الدستوري بهذا الصدد. فهي تعني أن الدولة ليست رهناً بالحكومات، ولا بالأكثرية السياسية. بل إن السلطات العامة ملزمة بضمان إستمرارية الدولة وحماية كيانها. ومن هذه الفكرة إستمد مجلس الدولة الفرنسي لاحقاً مبدأ إستمرارية المرافق العامة، بإعتباره إمتداداً لإستمرارية الدولة نفسها.
وبما أن ما سمي بالإتفاق الإطار يرتب التزامات تمّس السيادة اللبنانية في صميمها ، ويقيد حرية الدولة اللبنانية في ممارسة إختصاصاتها، وينشىْ إلتزامات لا يجيزها الدستور ، او يخالف قواعد القانون الدولي والمصلحة الوطنية العليا. فإن الواجب الدستوري لا يقف عند حدود جواز إعادة النظر فيه، بل يرتقي الى مستوى الإلتزام الوطني والأخلاقي بمراجعته، وإتخاذ كافة الوسائل القانونية المتاحة لتعديله أو إنهائه أو عدم الأخذ به بعدم إبرامه. أو الإمتناع عن ترتيبه لآثارٍ لا يجيزها القانون. ذلك أن تصحيح الخطأ لا يُسقط من هيبة الدولة، وإنما يؤسس لها. والهيبة الحقيقية لا تقوم بالإصرار على الخطأ، بل على احترام القانون. ولا تقوم على إنكار الوقائع ، بل على مواجهتها بشرف، ولا تقوم على تبرير الأخطاء، بل على تصويبها.
كما أنه ليس المطلوب موقفاً سياسيأ من حكاّم دولة، بل موقفاً من رجال دولة، بإعتبار أنه عندما يثبت أن الإصرار على الخطأ يضر بالمصلحة العليا، السكوت عنه ليس من صفات رجال الدولة. خاصةً وأن أخطر ما يواجه رجل الدولة، ليس أن يُساء فهم موقفه في زمانه، بل أن يأتي التاريخ بعد زوال الضجيج السياسي ليجد أنه، في اللحظة التي كان الوطن يحتاج فيها الى الدفاع عن سيادته وحقوقه، إختار الصمت او التنازل او تبرير ما كان واجبه ان يقاومه او يرفضه لو كان بالفعل رئيس دولة وعليه المحافظة على منعة وطنه. فالتاريخ يغفر للسياسي خطأ التقدير، لكنه لا يغفر بسهولة لمن فرّط في أمانة الوطن. فالسياسي يمضي، والإتفاقات تتبدل، والسلطات تزول، أما أثر التفريط في سيادة الوطن فيبقى شاهداً في سجل التاريخ. وإذا ربح رجل الدولة معركة سياسية بالتخاذل أو الصمت عن حق وطنه، يخسر بالمقابل مكانه في التاريخ الذي لا يعتبر محكمة تبحث عن أعذار رجال الدولة في تخاذلهم عن الدفاع عن أوطانهم، بل هو ذاكرة تحفظ ما فعلوه حين كانت أوطانهم في حاجة الى مواقف مشرفة للحفاظ عليها فخذلوها بسؤ فعلتهم.
إن الأوطان لا تُشترى ولا تُستعار ولا تُقايض، ذلك أنها تبنى بالعدل، وتُصان بالقانون، وتُحمى بإخلاص رجالها ووعي شعبها وتضحياته ببذل الغالي والرخيص. وإن من يبذل دمه دفاعاً عن وطنه، إنما يفعل ذلك ليبقى الوطن سيداً حراً مستقلاً وكريماُ، لا ليصبح موضوع مساومة أو إنتقاص. إذ سيأتي يومٌ لا يبقى فيه من المسؤول إلا إسمه في سجل التاريخ، فطوبى لمن يُذكر إسمه بأنه حفظ الأمانة، وويلٌ لمن يذكر إسمه بأنه فرّط بها لما سيلحقه من إهانةٍ له ولذكراه.
فليبقَ لبنان، كما يجب أن يكون دائماً، أسمى من كل اتفاق، وأبقى من كل سلطة، وأقدس من أي مصلحةٍ عابرة لا تدوم الا بدوام من قام بها، لأن الوطن قدس الأقداس.
بيروت في 17/7/2026
المحامي وليد نورالدين الخطيب